
صحافي استقصائي وباحث في حقوق الانسان
#اتفاقية_مكة للدفاع المشترك.. حين تنتقل #السعودية من دبلوماسية إخماد الحرائق إلى هندسة الردع #الإسلامي المعتدل
بقلم د. عبد العزيز طارقجي – خاص #بوابة_بيروت
@dr_tarakji
لم تكن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» التي جمعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس/آب 2026 مجرد اتفاق عسكري جديد يضاف إلى شبكة الاتفاقيات الدفاعية في منطقة مثقلة أصلًا بالسلاح والتحالفات. فالقراءة السياسية والقانونية المتأنية للاتفاق تضعه في سياق أوسع بكثير: محاولة لبناء منظومة ردع إقليمية تقودها ثلاث دول إسلامية ذات ثقل سياسي وعسكري واستراتيجي، في لحظة بات فيها أمن الشرق الأوسط معرضًا لتهديدات تتجاوز قدرة الدولة المنفردة على مواجهتها.
الاتفاق الذي حمل اسم »اتفاقية مكة للدفاع المشترك «يقوم على قاعدة شديدة الأهمية: اعتبار الاعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الدول جميعًا. وهي صيغة تقترب، من حيث المبدأ الدفاعي، من فلسفة الدفاع الجماعي المعروفة في التحالفات العسكرية الدولية، وقد وصفها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأنها، من الناحية التقنية، مماثلة للمبدأ الذي تقوم عليه المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي. ومع ذلك، لا تتضمن المعلومات المعلنة حتى الآن التزامات عملياتية تفصيلية تجعل الاتفاق نسخة إسلامية من حلف الناتو، ولذلك يجب تجنب المبالغة القانونية في توصيفه.
وبدأت ملامح البنية التنفيذية للاتفاق تظهر سريعًا؛ إذ أعلنت تركيا أن الدول الثلاث ستنشئ آليات تجمع كبار الوزراء والمسؤولين، إلى جانب التدريبات العسكرية المشتركة وتعميق التعاون في الصناعات الدفاعية. وهذا يعني أن الاتفاق يتجاوز إعلان التضامن السياسي إلى محاولة بناء قدرات مؤسسية قابلة للتطور مستقبلًا.
من منظور القانون الدولي: الردع ليس إعلانًا للحرب
الأهمية القانونية للاتفاق تبدأ من ضرورة التمييز بين الدفاع الجماعي وبين إنشاء تحالف هجومي.
فميثاق الأمم المتحدة يحظر، بموجب المادة الثانية/الفقرة الرابعة، التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي للدول، لكنه في الوقت نفسه يقر في المادة 51 بـ «الحق الطبيعي» للدول في الدفاع الفردي أو الجماعي عن النفس إذا وقع هجوم مسلح.
ومن هنا فإن إنشاء إطار للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان ليس، في ذاته، خروجًا على قواعد النظام الدولي، طالما بقيت آلياته في إطار الدفاع والردع واحترام الالتزامات المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.
بل إن جوهر الاتفاق، وفق ما أعلنته الدول الموقعة، دفاعي وليس موجهًا ضد دولة بعينها. وهذه نقطة ينبغي تثبيتها لأنها تضع الخط الفاصل بين بناء القوة لمنع الحرب وبين استخدام القوة لبدء الحرب.
وهنا تحديدًا تكمن إحدى أهم رسائل مكة: السلام الذي لا تحميه قدرة حقيقية على الردع قد يتحول، في البيئات الإقليمية المضطربة، إلى مجرد أمنية سياسية.
السعودية.. من سياسة التهدئة إلى صناعة الردع
من الخطأ قراءة الاتفاق بعيدًا عن السياسة التي اتبعتها المملكة العربية السعودية خلال السنوات الماضية، وخصوصًا في عهد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
فالمشروع السعودي لم يبدأ من البحث عن الحرب، بل من محاولة إطفاء الحروب واحتواء الصراعات وإعادة ترتيب المنطقة على أساس التنمية والاستقرار.
وقد دفعت الرياض باتجاه المصالحة مع إيران، وحاولت منع الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة، ورفضت استخدام أراضيها وأجوائها لشن عمليات عسكرية ضد إيران، كما أكدت الرياض استعدادها للوساطة وخفض التصعيد والتوصل إلى تسويات تفاوضية. وفي يناير/كانون الثاني 2026 أكد ولي العهد السعودي للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن المملكة لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها في أعمال عسكرية ضد إيران.
وحتى في ذروة التصعيد الأخير، واصل ولي العهد الدفع باتجاه الحوار. وفي أغسطس/آب نقلت رويترز أن الأمير محمد بن سلمان شدد في اتصاله بالرئيس الأميركي دونالد ترامب على ضرورة إعطاء الأولوية للحوار وخفض التوتر، في سياق الجهود الرامية إلى منع جولة جديدة من المواجهة.
هذه الوقائع مهمة لأنها تمنع قلب الرواية رأسًا على عقب.
السعودية لم تنتقل إلى بناء الردع لأنها تخلت عن السلام؛ بل لأن السلام نفسه أصبح يحتاج إلى قوة تحميه.
حين يفشل الاعتدال في إقناع المتشددين
لقد حاولت الرياض أن تقدم نموذجًا مختلفًا للمنطقة: اقتصاد بدل الميليشيات، تنمية بدل الحروب بالوكالة، استثمار بدل ساحات القتال، ودولة وطنية قوية بدل تفتيت الدول إلى مناطق نفوذ.
لكن المشكلة أن الإرادة السعودية وحدها لا تستطيع صناعة الاستقرار.
فالتعنت الإيراني من جهة، والسياسات العسكرية الإسرائيلية التي دفعت المنطقة مرارًا نحو حافة الانفجار من جهة أخرى، أسهما في خلق بيئة أمنية لم يعد من الممكن التعامل معها بالدبلوماسية وحدها.
ومن الضروري هنا عدم الوقوع في مساواة سياسية مصطنعة بين جميع الأطراف أو تحميل طرف واحد مسؤولية كل أزمات الشرق الأوسط؛ لكن من المشروع أيضًا القول بوضوح إن المنطقة دفعت ثمنًا باهظًا نتيجة منطق القوة المنفلتة، سواء صدر عن دولة تتجاوز حدود الدفاع المشروع، أو عن دولة تستخدم شبكات مسلحة عابرة للحدود لتحقيق أهدافها السياسية والاستراتيجية.
وقد وصلت المخاطر إلى المملكة نفسها. ففي مارس/آذار 2026 أعلنت الرياض، بعد تعرضها لصواريخ باليستية إيرانية، أنها تحتفظ بحقها في اتخاذ إجراءات عسكرية للدفاع عن نفسها.
وفي أغسطس/آب وصلت رسائل التهديد الإيرانية إلى حد التحذير من استهداف منشآت النفط والكهرباء والمياه والبنية التحتية في دول الخليج إذا استمرت العمليات الأميركية ضد إيران، في الوقت الذي كانت فيه السعودية نفسها تدفع واشنطن باتجاه التفاوض بدل توسيع الحرب.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: كم مرة يجب على الدولة أن تطرق باب الدبلوماسية قبل أن يصبح بناء الردع واجبًا لحماية شعبها وسيادتها؟
الرسالة التي يجب أن تصل إلى طهران
ينبغي ألا تتحول اتفاقية مكة إلى منصة عداء مع إيران، ولا مصلحة للعالم الإسلامي في حرب سنية–شيعية أو في تقسيم المنطقة على أسس مذهبية.
لكن في المقابل، يجب أن تصل إلى طهران رسالة واضحة لا تحتمل الالتباس: العلاقات الطبيعية تُبنى بين الدول، لا بين دولة وميليشيات داخل دول أخرى.
إذا كانت إيران تريد علاقات مستقرة مع السعودية وتركيا وباكستان والعالم العربي والإسلامي، فعليها أن تدرك أن عصر استخدام الجماعات المسلحة كوكلاء للنفوذ الإقليمي يجب أن ينتهي.
احترام سيادة العراق واليمن ولبنان وسوريا وغيرها ليس تنازلًا تقدمه طهران لأحد؛ بل هو أصل من أصول القانون الدولي الذي يقوم على سيادة الدول واستقلالها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
ولا يمكن المطالبة باحترام السيادة الإيرانية، وهو حق لا خلاف عليه، ثم التعامل مع سيادة الدول الأخرى باعتبارها مساحات قابلة للاختراق بواسطة التمويل والسلاح والتنظيمات المسلحة.
الاتفاق الثلاثي يجب، لذلك، ألا يقول لإيران: نريد الحرب معكم.
بل يجب أن يقول لها: نريد السلام معكم، لكن زمن أمن الميليشيات على حساب أمن الدول يجب أن ينتهي.
والرسالة يجب أن تصل إلى إسرائيل أيضًا
وفي المقابل، سيكون من الخطأ السياسي والأخلاقي أن تُقرأ اتفاقية مكة باعتبارها موجهة في اتجاه واحد فقط.
فالردع الإقليمي المتوازن يعني كذلك أن تدرك إسرائيل أن تفوقها العسكري لا يمنحها تفويضًا مفتوحًا باستخدام القوة حيثما تشاء، وأن أمن إسرائيل، شأنه شأن أمن إيران أو السعودية أو تركيا أو باكستان، لا يمكن أن يُبنى على انتهاك سيادة الآخرين أو إبقاء المنطقة في حالة حرب دائمة.
الدولة التي تريد الأمن لنفسها مطالبة باحترام حق الآخرين في الأمن.
وهذه قاعدة لا ينبغي تطبيقها انتقائيًا.
لماذا تستطيع السعودية قيادة هذا المسار؟
هنا تبرز القيمة السياسية الأعمق للاتفاق.
السعودية ليست مجرد دولة تملك المال أو الموقع الجغرافي. إنها موطن الحرمين الشريفين، وعضو في مجموعة العشرين، وصاحبة ثقل عربي وإسلامي واقتصادي وسياسي لا يمكن تجاوزه.
لكن القيادة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس بالشعارات.
تُقاس بالقدرة على الجمع بين الشرعية السياسية، والقوة الاقتصادية، والقدرة الدفاعية، والدبلوماسية، والتنمية، والاعتدال.
ومن هذه الزاوية أثبتت المملكة، وتثبت مجددًا، أنها جديرة بأن تكون في مقدمة القوى القادرة على قيادة العالم الإسلامي المعتدل؛ ليس بمنطق الهيمنة على الدول الإسلامية، وإنما بمنطق بناء مركز ثقل يستطيع جمعها حول مصالح مشتركة.
ووجود تركيا وباكستان إلى جانب السعودية يمنح هذا البناء أبعادًا استثنائية.
تركيا قوة عسكرية وصناعية كبرى وعضو في حلف شمال الأطلسي، وباكستان دولة نووية ذات جيش كبير وخبرة عسكرية واسعة، بينما تمثل السعودية مركز الثقل العربي والإسلامي والاقتصادي والسياسي في هذه المعادلة.
إنها، إذا أُديرت بحكمة، ليست معادلة حرب.
إنها معادلة منع الحرب.
مكة ليست تفصيلًا في اسم الاتفاق
حتى المكان يحمل رسالة.
لم يوقع الاتفاق في قاعدة عسكرية، بل حمل اسم مكة.
ومكة بالنسبة إلى المسلمين ليست عاصمة دولة فحسب في معناها الروحي، بل قبلة أكثر من مليار مسلم، ولذلك يمنح اسمها الاتفاق رمزية تتجاوز الحدود السياسية للدول الثلاث.
وهنا تقع مسؤولية مضاعفة على الرياض وأنقرة وإسلام آباد: ألا تتحول هذه الاتفاقية إلى محور مذهبي أو أداة لاستقطاب العالم الإسلامي، وإنما إلى نواة لمنظومة أمنية معتدلة تحترم سيادة الدول والقانون الدولي وترفض الإرهاب والميليشيات والتوسع والحروب بالوكالة.
العالم الإسلامي لا يحتاج “ناتو مذهبيًا”.
يحتاج منظومة تستطيع القول للحليف والخصم معًا: هذه حدود الدولة، وهذه سيادتها، وهذه شعوبها، ولا يحق لأحد العبث بها.
محمد بن سلمان.. السلام يحتاج إلى قوة تحميه
ربما تكشف اتفاقية مكة شيئًا أعمق في التحول السعودي.
فولي العهد الأمير محمد بن سلمان بنى جانبًا كبيرًا من رؤيته على فكرة أن الشرق الأوسط لا يستطيع الاستمرار في استهلاك مستقبله داخل حروب لا تنتهي، بينما تتقدم بقية مناطق العالم في الاقتصاد والتكنولوجيا والاستثمار.
ولهذا كان خفض التصعيد ضرورة للمشروع السعودي نفسه.
لكن السنوات الأخيرة أثبتت أيضًا حقيقة قديمة في العلاقات الدولية: الرغبة في السلام لا تكفي عندما لا يشترك الآخرون في الرغبة ذاتها.
ومن هنا فإن بناء قدرة دفاعية جماعية لا يناقض مشروع السلام السعودي، بل قد يكون الضمانة التي تسمح باستمراره.
الدبلوماسية بلا قوة قد تُختبر إلى ما لا نهاية.
والقوة بلا دبلوماسية تتحول إلى مغامرة.
أما الجمع بينهما فهو ما يصنع الردع.
من مكة: السلام أولًا.. ولكن ليس الضعف
لا ينبغي أن يكون الهدف من اتفاقية مكة البحث عن عدو.
بل يجب أن يكون هدفها أن تجعل الاعتداء مكلفًا إلى درجة تمنع وقوعه.
وهذه هي فلسفة الردع في أبسط صورها.
على إيران أن تجد في هذا الاتفاق فرصة لمراجعة سياسة الوكلاء والجماعات المسلحة وبناء علاقة دولة بدولة مع محيطها.
وعلى إسرائيل أن تدرك أن أمن المنطقة لا يمكن صياغته بإرادة قوة واحدة.
وعلى القوى الكبرى أن تفهم أن الدول الإسلامية الكبرى لم تعد مضطرة إلى انتظار الآخرين كي يرسموا لها هندستها الأمنية.
أما السعودية، فقد وضعت نفسها بهذا الاتفاق أمام مسؤولية تاريخية أكبر من مجرد توقيع وثيقة دفاعية: قيادة مشروع إسلامي معتدل لا يبحث عن الحرب، ولا يخشاها عندما تصبح السيادة والأمن القومي موضع تهديد.
لقد حاولت الرياض إخماد الحرائق.
فتحت أبواب الحوار.
مدت يدها إلى الخصوم.
ودفعت باتجاه التهدئة عندما كان صوت السلاح أعلى من صوت السياسة.
لكن الاعتدال لا يعني الاستسلام، والسلام لا يعني ترك الحدود والمنشآت والشعوب تحت رحمة الصواريخ والميليشيات.
ولهذا قد تكون الرسالة الأهم التي خرجت من مكة بسيطة في كلماتها، ثقيلة في معناها: نريد منطقة بلا حروب، لكن من يريد السلام معنا عليه أولًا أن يحترم دولنا وسيادتها وأمن شعوبها.
وفي منطقة أنهكتها الحروب، ربما تكون هذه هي القيادة التي يحتاج إليها العالم الإسلامي اليوم: قيادة تمد يدها للسلام، وفي اليد الأخرى ما يكفي من القوة لحماية ذلك السلام.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير