
مدير التحرير
النوع الثالث من الحرب
خاص بوابة بيروت
لقد بات من الواضح أنّ لبنان والمنطقة دخلا مرحلة يمكن توصيفها بـ«النوع الثالث من الحرب». فبعد مرحلة الحرب العسكرية المباشرة، التي بلغت كلفتها البشرية والمادية والسياسية حدودًا مرتفعة، انتقل الصراع إلى طاولة التفاوض. غير أنّ المفاوضات، بدل أن تنهي الحرب، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى امتدادٍ لها بوسائل أخرى، بعدما اصطدمت شروط كل طرف بشروط الطرف المقابل.
وهكذا تجمّد المسار العسكري نسبيًا، من دون أن يعني ذلك انتهاء الصراع. بل إنّ هذا التجميد منح إسرائيل، عمليًا، فرصة لتكريس وقائع ميدانية جديدة، ولا سيما من خلال السعي إلى تثبيت مناطق عازلة وأحزمة أمنية، سواء في غزة أو في جنوب لبنان. وهذه ليست ظاهرة جديدة في تاريخ الصراعات؛ فالقوى المتحاربة كثيرًا ما تستثمر فترات الهدنة والتفاوض لتثبيت ما عجزت عن تكريسه نهائيًا في زمن الحرب المفتوحة.
من الحرب إلى الاقتصاد
لكن الولايات المتحدة تبدو اليوم معنيّة أيضًا بإنجاز سياسي أكبر: الانتقال من إدارة الحروب إلى إنتاج تسويات إقليمية تسمح لها بالظهور في موقع الراعي لاتفاقات جديدة بين إسرائيل ودول المنطقة. وهذا البعد يكتسب أهمية إضافية بالنسبة إلى الإدارة الأميركية في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية النصفية، حيث يصبح أي إنجاز خارجي جزءًا من الحساب السياسي الداخلي.
من هنا، انتقل الصراع إلى مسار ثالث: المسار الاقتصادي والمالي.
فالحصار والعقوبات ليسا بديلًا عابرًا عن الحرب، بل هما شكل من أشكالها. وقد أثبت التاريخ أنّ القوى الكبرى لجأت، كلما ارتفعت كلفة الحرب العسكرية، إلى استخدام الاقتصاد والتجارة والطاقة والمال كسلاح لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. من الحصار القاري الذي فرضه نابليون على بريطانيا، إلى الحصار البحري في الحربين العالميتين، وصولًا إلى العقوبات الحديثة التي استهدفت دولًا كبرى ودفعت، في بعض الحالات، إلى إعادة رسم موازين القوى والقرار السياسي.
إيران تحت الحصار
وما يجري اليوم مع إيران يندرج في هذا السياق. فالضغط الأميركي لا يقتصر على الجانب العسكري أو السياسي، بل يمتد إلى الاقتصاد والتجارة والنفط والممرات البحرية وشبكات التمويل. والهدف ليس فقط إضعاف الاقتصاد الإيراني، بل أيضًا محاصرة شبكة النفوذ التي بنتها طهران خارج حدودها، وقطع القنوات التي تسمح بانتقال الأموال والموارد بين المركز والأذرع المرتبطة به.
ولعلّ هذا ما قد يمهّد لسقوط النظام الإيراني من الداخل؛ ولا سيّما بعد انتهاء المهلة المرتبطة بالتفاهم السابق من دون حسم نهائي، يبقى السؤال: هل ستعود الوساطات إلى التفاوض، أم ستتجه واشنطن وطهران إلى مزيد من العقوبات والضغوط؟ إذ، بحسب المعلومات التي سرّبها بعض الاقتصاديين في الولايات المتحدة إلى إدارة الرئيس ترامب، فإنّ هذا الحصار الاقتصادي ـ البحري، إن استمرّ بالوتيرة نفسها، قد لا تتخطّى معه مهلة صمود النظام الإيراني الأشهر الثلاثة، وربّما أقلّ.
دمشق ترتّب أوراقها
وبرز احتمال استئناف المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية، حيث عاد هذا الملفّ إلى الواجهة اليوم، مع حديث رسمي سوري عن أمل باستئناف المفاوضات الأمنية، ما قد يجعل الأسبوع المقبل مهمًا في رسم صورة أوسع للتسويات الإقليمية.
ولعلّ هذا ما يمكن أن يكون نتيجة لما قامت به إسرائيل في مطار أبو الظهور. فعلى ما يبدو، فإنّ الرئيس السوري يعمل بوتيرة سريعة جدًّا لإنهاء ترتيباته الإقليمية بهدف التفرّغ إلى الترتيبات الداخلية، لأنّه أدرك تمامًا أنّ مفتاح نجاح حكمه في الداخل السوري يبدأ من إعادة ترتيب علاقاته الإقليمية.
حزب الله في قلب المعركة
وفي هذا الإطار، يكتسب القرار الأميركي الأخير المتعلق بحزب الله أهمية خاصة. فالولايات المتحدة أعادت تشديد توصيف الحزب باعتباره يعمل، وفقًا للموقف الأميركي، لخدمة النظام الإيراني وتحت قيادة فيلق القدس في الحرس الثوري، بالتوازي مع عقوبات طالت شبكة متهمة بنقل الأموال بين إيران ولبنان عبر مسارات إقليمية.
والمهم هنا ليس التوصيف القانوني بحد ذاته، بقدر ما قد يترتب عليه عمليًا من توسيع دائرة الضغط المالي على الشبكات والأفراد والقنوات التي يُشتبه في ارتباطها بالتمويل، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، ما سيترتّب من ضغط على الدولة اللبنانية بحدّ ذاتها، لأنّها لا تزال، حتى الساعة، وبرغم كلّ ما يُشاع، الدولة التي بنتها منظّمة حزب الله طوال هذه العقود الأربعة. وهنا تحديدًا يكمن الخطر على لبنان.
الخطر على لبنان
فالحرب الاقتصادية، إذا اتسعت دوائرها، قد لا تبقى محصورة بالجهة المستهدفة مباشرة. وفي اقتصاد هشّ وقطاع مصرفي منهك ودولة تعاني أصلًا من أزمة بنيوية، يمكن أن يؤدي الضغط على شبكات التمويل والاقتصاد الموازي إلى ارتدادات تطال قطاعات أوسع. لذلك، فإنّ الخطر ليس بالضرورة في إسقاط الدولة اللبنانية، إذ إنّ الدولة تعاني أصلًا من ضعف عميق في قدرتها ووظائفها، بل في تجفيف كل ما هو خارج إطارها المؤسسي والمالي الشرعي.
وهذا ما يضع حزب الله في قلب هذا النوع الثالث من الحرب. فكلما اشتدّ الضغط على مصادر التمويل والقنوات الموازية، ازدادت الحاجة إلى حسم مسألة احتكار الدولة للقرار الأمني والمالي. غير أنّ هذه العملية، إن حصلت، لن تقف عند حدود التنظيم وحده، بل ستفتح الباب أمام اهتزاز أوسع في منظومة الحكم التي قامت طوال عقود على شبكة من الحمايات المتبادلة والمصالح المتشابكة. وهنا بالتحديد تظهر المفارقة اللبنانية الكبرى.
فالمنظومة التي لا تريد اتخاذ قرارات إصلاحية جذرية لا تخشى التغيير بحدّ ذاته فقط، بل تخشى ما بعد التغيير. لأنّ أي انتقال جدّي نحو دولة مؤسسات، وقضاء أكثر استقلالًا، وإدارة شفافة للمال العام، سيعني سقوط منظومة الحماية التي سمحت لكثير من القوى السياسية بالبقاء فوق المساءلة.
هندسة الواقع الجديد
ولعلّ هذا هو الدرس الأهم بالنسبة إلى لبنان: ليس ضروريًا أن تُهزم قوة عسكرية في الميدان كي تتغير موازين القوى. فقد يؤدي تجفيف الموارد، وتبدّل البيئة الإقليمية، وتراجع القدرة على التمويل، وتحول موازين المصالح الداخلية، إلى نتائج أسرع من نتائج الحرب نفسها.
وهذا ما يجعلنا أمام سؤال اليوم التالي. فما يجري يوحي بأنّ الصراع لم يعد محصورًا بين الحرب والتفاوض، بل انتقل إلى مرحلة ثالثة هي إدارة التفاوض ميدانيًا عبر ترتيبات أمنية وقوات وآليات تحقّق وانتشار. بمعنى آخر: الحرب لم تُحسم عسكريًا، والتفاوض لم يُنتج سلامًا، لذلك بدأت مرحلة إعادة هندسة الواقع الأمني على الأرض.
من روما إلى الجنوب
وبين زيارة الرئيس إلى روما وزيارة قائد الجيش إليها: هل بدأ لبنان عمليًا بناء هندسة أمنية جديدة لجنوب ما بعد اليونيفيل؟ فبحسب المعلومات المتداولة، فإنّ هذه الزيارة ليست عسكرية بروتوكولية، بل تأتي في سياق استكمال واضح للمسار الذي فتحه رئيس الجمهورية جوزاف عون في زيارته الأخيرة إلى روما.
فأهمية الزيارة تكمن في أنّها تنقل الملف من مستوى التفاوض السياسي إلى مستوى التحضير العملي للميدان. فبعد زيارة الرئيس عون، التي تناولت مع المسؤولين الإيطاليين مستقبل الجنوب ودور إيطاليا، يأتي قائد الجيش ليبحث: كيف ستُترجم هذه التفاهمات على الأرض؟ ومن سيتولى أي مهمة؟ وكيف ستكون العلاقة بين الجيش اللبناني والقوة الدولية المقبلة؟
فإذا نجح هذا المسار الثالث من الحرب في إحداث تحول كبير في لبنان، وإذا تراجعت المنظومة التي حكمت وحمت نفسها بمنطق التوازنات السابقة، فمن سيملأ الفراغ؟ وهل تستطيع الأدوات السياسية ذاتها التي أنتجت الأزمة أن تنتج سلطة جديدة قادرة على مواكبة التحولات الإقليمية؟
أم أنّ لبنان سيجد نفسه، بعد انتهاء الحرب العسكرية والتفاوضية والاقتصادية، أمام حرب من نوع رابع: حرب على هوية السلطة التي ستولد من أنقاض النظام القديم؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير