يوم انتخب بشير… ويوم بدأت فرصة #لبنان

د. شليطا بو طانيوس- خاص #بوابة_بيروت

لم يكن انتخاب بشير الجميّل في 23 آب 1982 صدفة، ولم يكن مجرد نتيجة لمعركة سياسية عابرة.

فالرجل الذي تمرّس في الميدان العسكري، وخاض المعارك وانتصر فيها، كان قد أثبت أنه قائد قادر على اتخاذ القرار، وإدارة أصعب الظروف، والوصول إلى الأهداف التي يضعها نصب عينيه.
لكن بشير لم يكن قائدًا عسكريًا فقط. كان صاحب رؤية سياسية، يؤمن بأن القوة لا تكون غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لبناء دولة قادرة على حماية نفسها وقرارها.

ولهذا، عندما انتُخب رئيسًا للجمهورية في ثكنة الفياضية في 23 آب 1982، لم يكن لبنان أمام انتخاب رئيس جديد فحسب، بل أمام لحظة مفصلية في تاريخه.

بعد الانتخاب مباشرة، صعد بشير إلى المنبر وألقى كلمته، فبدت ملامح مرحلة جديدة.

الرجل الذي ارتبط اسمه خلال سنوات الحرب بمواقف سياسية وعسكرية حادة، تحدث هذه المرة بلغة وطنية جامعة، مؤكدًا أن الانتخابات يجب أن تكون بداية لإعادة توحيد لبنان، واستعادة سيادته، وإنهاء الحرب، وفتح الطريق أمام السلام والطمأنينة.
أراد أن يقول بوضوح إن مرحلة الانتخابات انتهت، وإن مرحلة العمل بدأت.

ولم يعد يتحدث فقط باسم الذين انتخبوه، بل أراد أن يقدم نفسه رئيسًا لكل اللبنانيين، فاتحًا صفحة جديدة مع مختلف القوى السياسية، بما فيها القوى التي عارضته.
كان التحدي أمامه أكبر من الوصول إلى قصر بعبدا. كان عليه أن يحوّل لبنان من بلد تحكمه الجبهات والانقسامات إلى دولة تستعيد قرارها ومؤسساتها.

ومن هنا برز جوهر مشروعه: “الدولة”.
دولة ذات سيادة، تمتلك قرارها، وتوحّد قواها العسكرية والأمنية تحت سلطتها، وتعيد بناء جيشها ليكون القوة الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية.

كان يريد أن تصبح المؤسسات أقوى من الأمر الواقع، وأن يكون قرار الحرب والسلم قرارًا وطنيًا، وأن تعود الدولة إلى ممارسة سلطتها على كامل أراضيها.

وهنا تكمن أهمية 23 آب.
فبشير الذي عرفه اللبنانيون قائدًا خلال سنوات الحرب، دخل بعد انتخابه مرحلة مختلفة تمامًا: مرحلة بناء الدولة.

لم يعد المطلوب منه الانتصار في معركة عسكرية، بل مواجهة تحديات بلد أنهكته الحرب، وتحيط به التدخلات الإقليمية والدولية، وتتنازعه الانقسامات والسلاح.
ومع ذلك، بدأ العمل.
كانت أمامه عشرون يومًا فقط.

عشرون يومًا فصلت بين انتخابه في 23 آب واغتياله في 14 أيلول.
ورغم قصر هذه الفترة، بقيت تلك الأيام حاضرة في الذاكرة اللبنانية، لأنها حملت معها احتمال انتقال البلد من الحرب إلى مرحلة جديدة.
قد يختلف اللبنانيون حول بشير الجميّل، وحول الحرب والخيارات التي اتخذها خلالها، لكن يصعب إنكار أنه كان رجلًا صاحب مشروع، وصاحب قرار، وقادرًا على فرض حضوره في الحياة السياسية اللبنانية.
ولهذا، عندما نستعيد 23 آب 1982، لا نستعيد فقط يوم انتخاب رئيس للجمهورية، بل لحظة شعر فيها كثيرون أن لبنان أمام فرصة لبناء دولة قوية بمؤسساتها، وقرارها، وجيشها، وسيادتها.
كانت فرصة لبنان.

ثم جاءت 14 أيلول.
وسقط بشير.

وانتهت معه تجربة لم تُعطَ الوقت الكافي لاختبار مشروعها كاملًا.
لكن السؤال بقي:

ماذا كان يمكن أن يحدث لو مُنح بشير الوقت لتنفيذ ما أراده للبنان؟
قد لا يملك التاريخ جوابًا قاطعًا عن سؤال «ماذا لو»، لكنه يستطيع أن يؤكد أن 23 آب كان لحظة استثنائية، وأن انتخاب بشير فتح نافذة سياسية نادرة في تاريخ لبنان.

بالنسبة إلى الكثيرين الّذين آمنوا به، بقي بشير أكثر من رئيس منتخب.
بقي مشروعًا لفكرة لبنان الدولة، وذاكرة لفرصة يرون أنها ضاعت.
خسر لبنان بشير في 14 أيلول، لكنه لم يخسر السؤال الذي تركه وراءه: كيف نبني دولة يكون قرارها بيدها، وسيادتها على أرضها، وقوتها في مؤسساتها؟

لهذا يبقى 23 آب يومًا لا يُنسى.
وبشير… فرصة لبنان التي لم تكتمل!

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك