‎لن أكذبَ عليكِ يا بيروت

بقلم عقل العويط

ببرهانِ اليأسِ وحدَه وببرهانِ الموتِ ستقومين وتربحين

لن أكذبَ عليكِ.

واضحٌ أنّ ثلاثةَ أعوامٍ مضتْ كمثلِ غبارٍ يندثر كمثلِ بلادٍ تنطفئ وراءَ حياةٍ مكسورةِ الخاطر.
واضحٌ أنّكِ لن تصلحي لسهرةٍ مرتقبةٍ لن تنوعدي بتمضيةِ الليلِ في البيتِ خارجَ البيتِ داخلَ الوقتِ خارجَ الوقتِ لن تُكلّلي لبنانَكِ بعودةٍ افتراضيّةٍ عند زقزقةِ الباعةِ عند صياحِ الديك.
واضحٌ تمامًا أنّ قدمَيكِ مجرّحتان بزجاجِ الجنون أنّ سكربينتَكِ أنّ الكندرةَ مخلّعةٌ مهيضةُ الجناح أنّ أهدابكِ أنّ ثيابَكِ أنّ قمصانكِ مُزِّقَتْ رُمِيتْ صارتْ بلا ثياب أنّكِ لن تشتري فستانًا جديدًا أنّ فستانَكِ المشغولَ بالدمِ لن تلبسيه أنّكِ لن تنزلي إلى السوق إلى العيدِ لأنّ دمَكِ لا يزالُ يدمعُ يُمعنُ يتخثّرُ في دكاكينِ الدجلِ على مرايا الجدرانِ على إسفلتِ الطريق.
واضحٌ أنّكِ لن تتشمّسي لن تنزلي إلى البحر.
واضحٌ أنّكِ لن تجلسي في مقهى لن تشربي قهوةَ الصباح وحدَكِ لن تشربيها مع أحدٍ لن تلثمي كأسًا لنبيذِ العشيّةِ لن تتراقصي فوقَ الأسطرِ فوقَ حبرِ القصيدة لن تربطي شَعرَكِ الأهوَج بمنديلٍ أبيضَ لن تتغاوَي على قماشةِ لوحةٍ على ياسمينةِ أغنيةٍ لن تصدحي لن تذهبي إلى محاضراتكِ في الجامعة لن تتفلسفي لن تناقشي الأسئلةَ وسائرَ المشقّات المهيبة.
واضحٌ أنّ ثلاثةَ أعمارٍ أنّ ثلاثةَ دهورٍ قد تمضي قبلَ أنْ تفركي عينيكِ المسبلَتَين قبلَ أنْ ينجلي وجهُكِ ليستقبلَ وجهَ الدولةِ وجهَ الدستورِ ونباهةَ المناقيرِ الذكيّة.
واضحٌ هذا كلُّهُ فكيف أنحازُ في هذا الرابعِ من آب كيف أنحازُ إلى اللغوِ إلى مكرِ اللغة إلى تلغيز الكلمات.
كلُّ ما يُشاعُ في الأروقةِ كلُّ ما يُقالُ في الضمائرِ لا يعدو كونه سرابًا في عينِ الأعمى في ذاكرةِ الخيال.
تذكرين. قبلَ أنْ تتلفّعي بحلكةِ الدغشةِ بحلكةِ الليلِ قبلَ أنْ يطلعَ عليكِ ضوءُ الآذانِ في الفجرِ، كنتِ تتهيّئين لتشلحي عنكِ ثوبَ الشغلِ ثوبَ الاجتهادِ المريرِ، عندما هرسوكِ عندما هتكوكِ كما تُهتَكُ سنبلةٌ كما تُهرَسُ نسمةٌ. نظراتُنا اليابسةُ كنّا نَعِدُها بالفتى القمر كلّما انصرفتْ عنكِ شمسُ الصيفِ عبثًا كنّا نَعِدُ عبثًا كنّا ننتظرُ عبثًا لا نزالُ نَعِدُ ونُوعَدُ وننتظرُ.
كانوا يصفونكِ بالمرأةِ الجميلةِ كنتِ معروفةً بالزورقِ الممهورِ برذاذِ الملحِ لم تعودي الزورقَ ولا الميناءَ ولا الجميلةَ المرأةَ ولا عدتِ زيتونةً يشتهي ظلَّها دمعُ الموجِ والبحر. إذا كان صحيحًا أنّ عطرَكِ يُسطَحُ كزبيبٍ يُقَطَّرُ كمياهِ العنبِ فقد عادوا يريدونكِ ماخورًا للرعبِ للإرهابِ لا عريشةً للنجمِ للسهرِ لا دسكرةً للغيمِ للنورِ وعادوا يجعلونكِ ناطورةً للفجيعةِ لمفاتيحِ الصدأِ والزنجار.
يُقالُ الآن تبًّا لكِ لأهلِكِ لعَرَبِكِ للمقيمين للزوّارِ للعابرين للفُرسِ للصهاينةِ لأعدائِكِ للأجانبِ بعدما رتّبوا لكِ مهنةً لا تليقُ بالمدنِ بالعواصمِ لا تليقُ بالنساءِ بعدما عذّبوكِ بالتمائمِ بهواجسِ الفينيقِ ولم يتركوا رواقًا ليمرَّ النسيمُ النسيمُ ولا لتخفقَ غفلةٌ لجناحِ عشيقٍ أو لارتعاشةِ طائر.
يقولون: هباءٌ كلُّ ما فيكِ هباءٌ كلُّ ما أنتِ مَن أنتِ وهباءٌ ما تنتظرين ومَن تنتظرين.
لن أكذبَ عليكِ.
نحن الآن نتخاطبُ لأنّنا موتى.
أنتِ في مقبرةِ لبنانَ.
أنتِ مقبرةُ لبنانَ في البحرِ والبرِّ وما أنا بسوى حفنةِ قبرٍ في ترابِ المقبرة.
كلُّ ما يبدرُ منكِ كلُّ ما يبدرُ منّا ليس سوى ما يتنفّسه الترابُ من لعنةٍ من فسادِ اللعنةِ ومن عشبٍ مجزوزٍ مقهور. نهارُكِ منتِنٌ قائظٌ رائحتُكِ مفكَّكة وهناك مَن يقول: كريهة.
كانوا يغارونكِ ويحسدونكِ ومَن يدري فقد يستحسنون غدًا هياكلَ الوثنِ الاصطناعيِّ ومدنًا لا تنالُ منها الزلازلُ ولا جرائمُ التطبيعِ والحروبِ والإباداتِ ولا مخلّفاتُ النوويِّ والأمونيوم والنيترات والقنابلِ العنقوديّة.
لن أكذبَ عليكِ.
لن أُبلسمَ الموتَ. لن أُسايرَكِ. لن أُلاطفَ جروحَكِ. لن أرثي نساءَ شرفاتِكِ لن أرثي الأجنّةَ وأحواضَ الزهور. لن أبكي لبنانَ.
سأصفُكِ متقمّصًا طريقةَ إخوةِ يوسفَ الحسّادِ الخَوَنَةِ تقليدَ التجّارِ أسلوبَ الصيارفةِ يومَ الاقتراعِ على كيانكِ على لبنانكِ على الفستانِ على تطريزِ الثياب.
سأصفُكِ بفظاظةِ الريفيِّ النازلِ من النبعِ من الوعرِ إلى الكتبِ إلى الجامعةِ إلى الحبرِ النقيِّ إلى مقاهي الشرودِ وشرفاتِ العقلِ والانتباهِ.
لن أكذبَ عليكِ.
بدل أنْ يكونوا ملائكتَكِ، اختاروا أنْ يكونوا بصقةَ شياطينِكِ.
بدلَ أنْ يكونوا أطفالَكِ، جسّدوا سِيَرَ أزواجِكِ وعهودَ قوّاديكِ.
بدلَ أنْ يجعلوكِ بوصلةَ الاتّجاهاتِ في تيهِ البحارِ في أوجاعِ الرمالِ المتحرّكةِ، بدلَ أنْ يختاروكِ مدرسةً للحقِّ للحقوقِ موئلًا للعقلِ للحكمةِ للسؤالِ وترابًا وحياةً وبحبوحةً وبيوتًا لأرقِ الناسِ المرموقين النبلاء والمستورين، استحسنوكِ في غواياتِ السراياتِ في سراديبِ القصورِ وعلى طاولةِ السمسراتِ منصّةً للتهريبِ للترهيبِ للويلِ للثبورِ وكرًا للدسيسةِ سريرًا للعربداتِ وشرشفًا لدمِ العذراءِ المسفوحةِ يومَ الدخلة.
خلطوا عيشَكِ برحيقِ السمِّ الزعافِ بالعطورِ الموشومةِ بتعاويذِ الكيدِ بيقينِ اللعنة. أمطروكِ بالنجاساتِ بلحاسِ الشفاهِ وضفروا روحَكِ بالغزلِ السوقيِّ بالحبِّ الرخيصِ بشبقِ الفتنِ والانحطاطات.
ثمّ كرّموكِ بخدعةِ الحبرِ المعسول.
سماؤكِ انقلبتْ عليكِ. أهلُكِ شردوا عنكِ استصغروا شأنكِ أهملوكِ خانوا عهودكِ ومعانيكِ. ضيوفُكِ ونزلاؤكِ ونازحوكِ ولاجئوكِ وكلُّ ما مُدِحتِ به صار ضدَّكِ.
لن أكذبَ عليكِ.
كلُّنا خديعتُكِ وكاذِبوكِ وخَوَنَتُكِ.
لن أكذبَ عليكِ.
فأنتِ لن تقومي بنا ولا بأحد.
فباليأسِ وحدَه
بالموتِ وحدَه تقومين.
أي بذاتِكِ ووحدَكِ
وبلبنانَ تقومين.
أكرّر: لن أكذب عليكِ.
بقوّةِ اليأس، بمعجزةِ هذا اليأس، بيقينِهِ المأسويِّ، ستقومين.
وهو الكلَّ سيغلِبُ وسيغلِبُ الجميعَ.
لأنّكِ – كلبنانَ كأنتِ – الحالةُ الضرورة.
وأنتِ بيروت الممتازة، ستكونين دومًا المحروسةَ الغالِبة.
وستَغلِبين.
فببرهانِ اليأسِ
ببرهانِ الموتِ
وكمثلِ جبلِ لبنانَ
كمثلِ لبنانَ
سترتفعين وتربحين.

اخترنا لك