التَّلَبْنُنُ سَاقِطٌ أَبْرِيُورِيًّا

المشكلة مع حزب الله هي "لبنانيّة - لبنانيّة" قبل أن تكون مشكلة خارجيّة لأنّه رافض التلبنن. وكلّ الادّعاءات ما هي إلّا ضرب من ضروب التقيّة النّاجحة التي يمارسها. ولن يقبل بأيّ ضمانات تقدّمها الدّولة لحثّه على تسليم سلاحه. وفي الوقت نفسه، هذه الدّولة لم تحسم حتّى الساعة خياراتها التنفيذيّة المتاحة بموجب الدّستور لنزع هذا السلاح...

خاص بوابة بيروت

لم تكن يومًا المشكلة في لبنان كون أن حزب الله حزب سياسي يشارك في الحياة اللبنانية، بل في أنه يجمع بين المشاركة في مؤسسات الدولة والاحتفاظ بقوة عسكرية وقرار استراتيجي خارجها. والأكثر أنّ هذا القرار الاستراتيجي نابع من منطلقات أيديولوجيّة، لا تمتّ إلى الفكرة اللبنانيّة بأيّ صلة. وهنا بالتحديد تكمن إشكاليّة رفضه الحقيقة البنيويّة لفكرة الدّولة، لو أنّه يدّعي بأنّه يريد هذه الدّولة.

فاستقلاليّة إرادته هذه ليست مرتبطة بمدى مشروعيّته الشعبيّة، لأنّه يستعمل هذه الشعبيّة للمآرب الأكبر المرتبطة بالفكر العقائدي الذي يحرّك مولّداته السياسيّة. وهنا بالتّحديد يبرّر رفضه لمبدأ التفاوض مع إسرائيل الذي يقوده رئيس الجمهوريّة عملا بالمادّة 52 من الدّستور اللبناني، وهذا ما لا يستطيع أن يقبل به إذ يعتبره تنازلًا عن السيادة. فيما الارتهان لإيران برأيه هو محض سيادة!

ما لا يستطيع إدراكه أنّ التفاوض لم يكن دومًا استسلاما، والحرب لم تكن دومًا دليلًا على السيادة. تستطيع أن تفاوض من منطلَق قوّتك عندما تكون دولتك قادرة وفاعلة. ولكن عندما تكون الدّولة مغتصبة سيادتها تصبح في موقع صياغة الاستسلام وليس التفاوض لأجل السلام. يكفي المقارنة مع النموذج الفلسطيني كيف استطاعت حماس أن تدمّر حقّ الشعب بأكمله بإنجاز تفاوض مشرّف للوصول إلى الهدف، ظنًّا منها أنّ الحرب التي تخوضها هي التي ستؤمّن لها السيادة. فخسرت الاثنين معًا.

علينا أن نتّعظ من تجارب الشعوب. فالتلبنن ساقط أبريوريًّا لأنّ العقيدة التي نشأ على أساسها لم تكن يومًا لبنانيّة. لذلك يمنع على الدّولة أن تستخدم الدبلوماسية لتحقيق الانسحاب، واستعادة الأسرى، وحماية الحدود، وتأمين عودة السكان وإعادة الإعمار. ويحصر كلّ شيء في تنظيمه ومدى قدرة هذا التنظيم على تقديم “فرص” للاسرائيلي للتفاوض حولها. وهذا ما تمّ إسقاطه بفعل الميدان ونتيجة انكشاف وهم القوّة الذي صنعه طوال أربعة عقود ونيّف.

فالمشكلة مع حزب الله هي لبنانيّة – لبنانيّة قبل أن تكون مشكلة خارجيّة لأنّه رافض التلبنن. وكلّ الادّعاءات ما هي إلّا ضرب من ضروب التقيّة النّاجحة التي يمارسها. ولن يقبل بأيّ ضمانات تقدّمها الدّولة لحثّه على تسليم سلاحه. وفي الوقت نفسه، هذه الدّولة لم تحسم حتّى الساعة خياراتها التنفيذيّة المتاحة بموجب الدّستور لنزع هذا السلاح.

يعتقد الحزب أنّ السلاح الذي نجح بفرض معادلات في مراحل معينة، سينجح اليوم بفرض شروط على التفاوض، وإن لم تكن شروطًا فبأدنى حدّ ستكون قيودًا. وذلك بعدما أثبتت التّجارب أنّه عجز عن تحويل أيّ “إنجاز عسكري” إلى مكسب سياسي مستدام. فبقاء لبنان عاجزًا عن اتخاذ قرار الحرب والسلم، سيبقي الجنوب معرضًا للدمار والتهجير، وعندها ستبقى هذه الدولة رهينة للمعادلات العسكرية. ومَن يعرف ماذا قد ينتظر الميدان على أبواب انتخابات إسرائيليّة وأميركيّة؟

التلبنن لا يعني مطالبة حزب الله بالتخلي عن مكوّنه الشيعي أو عن جمهوره أو عن مشاركته السياسية. بل يعني أن تصبح مرجعيته الدستورية والسياسية لبنانية، وأن تكون علاقاته الخارجية خاضعة لمصلحة لبنان وسيادته، لا لقرار استراتيجي تصنعه طهران.

لكن ما يبدو في ظاهره مشروعًا وطنيًّا جامعًا، أصبح في العلن مستحيلًا بالنّسبة للحزب إذ لا يستطيع أن يبقى حزبًا سياسيًا، وأن يمثّل جمهوره، وأن ينافس على السلطة، لكن من دون جيش موازٍ أو قرار حرب مستقل. لأنّ ذلك إذا حصل يعني أنّ لبنان سيكون دولة كاملة السيادة. وإذا لبنان صار هذه الدّولة فسيسقط حكمًا مبرّر وجود حزب الله.

فعدالة أيّ قضية لا تمنح أي طرف حق احتكار قرارها، وشرعية التمثيل السياسي لا تمنح صاحبها حقّ احتكار القوة المسلحة. فالسلاح يجب أن يبقى ضمن مسؤولية الدولة اللبنانية، لا أن يُسلَّم لإسرائيل. المطلوب جيش قادر، ودولة تفاوض، وضمانات أمنية قابلة للتحقق، وتسوية تحمي السيادة تفضي إلى السلام النّهائي والاستراتيجي المستدام. لأنّ هذا السلام هو الذي يحفظ سيادة لبنان، ويعيد الأرض، ويحمي المواطنين، ويقوّي الجيش.

وإذا نجحت الدّولة بذلك فهذه مصلحة وطنية قبل أن تكون مطلبًا خارجيًا. فالمشكلة إذًا ليست في عدالة القضيّة اللبنانيّة، بل في مَن يحتكر قرارها. فقرار الحرب والسلم في لبنان ليس ملكًا لحزب الله. لذلك، السؤال المطروح ليس مَن يرفع شعارات التحرير كما حصل في 13 تشرين 1990، بل في مَن يستطيع تحويل التضحيات إلى دولة، والحقوق إلى تسوية قابلة للحياة، والسلاح إلى أمن مستدام.

فهل آن الأوان للانتقال من إدارة الحروب إلى صناعة السلام؟ أم سنبقى ندور في الحلقة نفسها بحثًا عن طرائق لِنُلَبْنِنَ مَن لا يريد أن يَتَلَبْنَنَ، وندفع أثمان قرارات لا نملك حقّ اتخاذها؟ وهل نقرّب اللبنانيين من الدولة والسيادة والحقوق والسلام المستدام، أم نجعلهم رهينةً لحروب مفتوحة وقرارات فوق وطنية؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك