تفرّغ الأستاذ المتعاقد الموظف في القطاع العام : تصفية الحقوق شرطًا للتفرّغ؟

ولا يكفي الاستناد إلى الظروف المالية للدولة لتبرير أي مساس بحقوق الموظفين. فالأزمة المالية لا تُنشئ صلاحية تشريعية جديدة، ولا تعفي الإدارة من التقيّد بمبدأ المشروعية والمساواة. وإذا كانت تصفية الحقوق ضرورية في حالات معينة بموجب نصوص نافذة، وجب تطبيقها في حدود تلك النصوص، مع بيان آثارها القانونية والمالية...

خاص بوابة بيروت

أعاد البند الخامس من مقرّر مجلس الوزراء رقم 2، الصادر في 22 تشرين الأول 2026 بشأن استكمال البحث في ملف التفرّغ في الجامعة اللبنانية، طرح إشكالية قانونية تمسّ مباشرةً الأساتذة المتعاقدين الذين يعملون في القطاع العام. فقد اشترط تصفية حقوق الموظفين المشمولين بالتفرّغ قبل إقراره، بما يجعل إنهاء الخدمة وتصفية الحقوق شرطًا سابقًا للاستفادة من التفرّغ، ويستوجب التحقق من مدى توافق هذا الشرط مع التشريعات النافذة التي تنظّم ضمّ الخدمات وتحفظ المراكز الوظيفية والمالية.

تنصّ المادة السابعة من القانون رقم 75 تاريخ 26 كانون الأول 1967، المتعلق بتنظيم الجامعة اللبنانية، على خضوع أفراد الهيئة التعليمية وموظفي الجامعة للقوانين والأنظمة المتعلقة بسائر موظفي الدولة، ولا سيما الأحكام المتصلة بالتدرّج والترقية والصرف والتقاعد، مع مراعاة الأحكام الخاصة بالجامعة. ويُحيل هذا النصّ إلى ضرورة تطبيق القواعد القانونية الوظيفية ذات الصلة، لا استحداث شروط تمسّ الحقوق من دون سند تشريعي.

وفي هذا السياق، تكتسب المادة التاسعة من القانون رقم 717 تاريخ 5 تشرين الثاني 1998، وتعديلاته، أهمية مباشرة، إذ تنظّم حق الموظف المعيّن في ملاك دائم خاضع لنظام التقاعد في ضمّ خدماته السابقة في الإدارات العامة أو الجامعة اللبنانية أو مجلس النواب إلى خدماته اللاحقة، ضمن الشروط المحددة فيها.

فضمّ الخدمات ليس امتيازًا تمنحه الإدارة استنسابيًا، بل نظام قانوني حدّد المشرّع شروطه وآثاره. ومن هنا، يبرز السؤال الأساسي : إذا كان القانون ينظّم ضمّ الخدمة السابقة وفق شروط محددة، فما النصّ الذي يجيز جعل إنهاء الخدمة وتصفية الحقوق شرطًا مسبقًا للتفرّغ، وما أثر ذلك على إمكانية الاستفادة من أحكام ضمّ الخدمات؟

ويقتضي هنا التمييز بين تسوية الوضع الوظيفي وتصفية الحقوق. فالتسوية إجراء يرمي إلى تحديد الوضع القانوني للموظف وتطبيق الأحكام التي ترعى انتقاله إلى مركز وظيفي جديد، بما في ذلك قواعد ضمّ الخدمات والموجبات المالية المترتبة عليها.

أما التصفية فقد تترتب عليها آثار مالية ووظيفية تتصل بإنهاء الخدمة السابقة، وقد تؤثر في كيفية احتساب الحقوق أو الاستفادة من نظام ضمّ الخدمات. لذلك، لا يجوز التعامل مع الإجراءين باعتبارهما مترادفين، ولا فرض التصفية شرطًا للتفرّغ من دون التحقق من أساسها التشريعي ومن آثارها على حقوق كل موظف.

وتُطرح كذلك مسألة المساواة التي تكفلها المادة السابعة من الدستور اللبناني. فإذا كان الأستاذ المتعاقد الموظف في القطاع العام يُلزم بتصفية حقوقه، فيما لا يُفرض شرط مماثل على المتعاقدين الذين لا يعملون في القطاع العام، أو على فئات مماثلة في ملفات تفرّغ سابقة، فإن هذا التفاوت يستوجب تبريرًا قانونيًا موضوعيًا يستند إلى اختلاف فعلي في المراكز القانونية.

فاختلاف جهة العمل قد يبرّر اختلاف بعض الإجراءات، لكنه لا يكفي وحده لتبرير المساس بحقوق يضمنها القانون. كما أن المادة الثانية عشرة من الدستور، التي تنظّم تولّي الوظائف العامة وفقًا للشروط التي يحددها القانون، تؤكد أن الشروط الوظيفية يجب أن تبقى ضمن الحدود التي يرسمها المشرّع.

ولا يكفي الاستناد إلى الظروف المالية للدولة لتبرير أي مساس بحقوق الموظفين. فالأزمة المالية لا تُنشئ صلاحية تشريعية جديدة، ولا تعفي الإدارة من التقيّد بمبدأ المشروعية والمساواة. وإذا كانت تصفية الحقوق ضرورية في حالات معينة بموجب نصوص نافذة، وجب تطبيقها في حدود تلك النصوص، مع بيان آثارها القانونية والمالية.

أما تحويلها إلى شرط عام يحول دون إقرار التفرّغ، من دون سند تشريعي واضح أو دراسة أثره على الحقوق التي يتيح القانون ضمّها، فيطرح إشكالية جدّية في مشروعية هذا الشرط وتناسبه مع الغاية المتوخاة منه.

إنّ المطلوب قانونًا هو إعادة النظر في البند الخامس، وتحديد سنده التشريعي وآثاره، والفصل بين استكمال التسوية الوظيفية وبين تصفية الحقوق متى لم يفرض القانون هذه التصفية شرطًا للتفرّغ.

كما يقتضي الأمر ضمان تطبيق القواعد ذاتها على الحالات المتماثلة، وحفظ الحقوق التي يستوفي أصحابها شروط استحقاقها، وعدم تحويل التفرّغ إلى سبب لفقدان آثار خدمة سابقة ينظّم القانون ضمّها. فسلطة الإدارة في تنظيم ملف التفرّغ تبقى محكومة بالقانون، ولا يجوز أن تتجاوز أحكامه أو تضيف إليها شروطًا تمسّ حقوق الموظفين من دون أساس تشريعي واضح.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك