بين التقارير الرسمية وواقع جنوب لبنان…

هناك حاجةٌ ماسّةٌ إلى تطهيرِ المؤسّساتِ من الفساد

خاص بوابة بيروت

في كل مرة تُطرح فيها مسألة السلاح غير الشرعي جنوب الليطاني، تعود الدولة اللبنانية لتؤكد عبر تقارير رسمية أن المنطقة خاضعة لسلطة الدولة وأنها تعمل ضمن مقتضيات قرار مجلس الأمن 1701 الذي ينصّ بوضوح على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية وانتشار الجيش اللبناني بالتنسيق مع قوات اليونيفيل.

غير أن الواقع الميداني، وما يظهر بين الحين والآخر من قدرات عسكرية تابعة لـ حزب الله في تلك المنطقة، يطرح تساؤلات مشروعة حول الفجوة بين التقارير الرسمية وما يجري فعليًا على الأرض. هذه التساؤلات لا يجب أن تُفهم كتشكيك بالمؤسسة العسكرية ككل، بل كدعوة صريحة وصادقة إلى حماية هذه المؤسسة من أي اختراق أو فساد قد يسيء إلى دورها الوطني.

إن المؤسسة العسكرية هي إحدى الركائز القليلة التي لا يزال اللبنانيون يعوّلون عليها في حماية الدولة ووحدة البلاد. ولذلك فإن الحفاظ على مصداقيتها يقتضي أعلى درجات الشفافية والمحاسبة.

حين تظهر تناقضات بين التقارير الرسمية والوقائع الميدانية، يصبح من واجب الدولة أن تفتح نقاشًا جديًا حول الأسباب، وأن تضمن عدم وجود أي تواطؤ أو تساهل أو فساد داخل بعض المستويات الإدارية أو الأمنية.

التاريخ القريب للبنان أثبت أن أخطر ما يواجه الدول ليس فقط وجود السلاح خارج إطارها، بل أيضًا تآكل مؤسساتها من الداخل بفعل الفساد أو الولاءات السياسية التي تتقدم على الولاء للدولة.

لذلك فإن أي شبهة حول تواطؤ أو تسهيل أو غضّ نظر من قبل بعض الضباط أو المسؤولين يجب أن تُواجه بجرأة وبإجراءات واضحة تضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار.

المعركة الحقيقية اليوم ليست ضد مؤسسة الجيش، بل من أجلها. فالمؤسسات الوطنية لا تُحفظ بالشعارات، بل بحمايتها من الفساد، وبترسيخ مبدأ المحاسبة داخلها كما في كل مؤسسات الدولة. إن تطهير الإدارة العامة والمؤسسات الأمنية من أي نفوذ فاسد أو سياسي هو شرط أساسي لاستعادة ثقة اللبنانيين بدولتهم.

لبنان لا يحتاج إلى تقارير مطمئنة بقدر ما يحتاج إلى دولة قادرة على قول الحقيقة وفرضها على الأرض. فالدولة التي تسعى إلى استعادة سيادتها لا يمكن أن تقبل بأن تبقى الوقائع الميدانية ملتبسة أو أن تُدار الملفات السيادية بمنطق التوازنات الرمادية.

إن حماية الجيش تبدأ من تحصينه بالشفافية والمحاسبة، لأن المؤسسة القوية هي تلك التي تمتلك الشجاعة لتصحيح أخطائها، وتطهير صفوفها، وتأكيد ولائها المطلق للدولة اللبنانية وحدها.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com