قسمًا بيسوع المسيح، والنبي محمد، والإمام علي، والعذراء مريم… سنستعيد مدينتنا #صور
بقلم ابن مدينة صور د. حبيب باشا – خاص بوابة بيروت
@HabibKBacha
أنا ابنُ مدينةِ صور، ابنُ شوارعها القديمة، وأسواقها التي كانت تضجُّ بالحياة لا بالشعارات، وابنُ عائلةٍ من عائلاتها التي نسجت مع غيرها نسيج هذه المدينة، حجرًا حجرًا، وذاكرةً ذاكرةً.
أكتب اليوم لا من موقع الغضب وحده، بل من وجعٍ عميق، من حزنٍ على مدينةٍ أشعر، في كل مرةٍ أعود إليها، أنها تبتعد عني أكثر، وكأنها لم تعد تعرفني، أو لم أعد أعرفها.
طفولتي، كنت أمشي مع والدي، رحمه الله، في سوق صور. لم نكن نسأل، من هذا؟ وما دينه؟ لم تكن الهويات تُرفع كراياتٍ للفصل، بل كانت تُذوَّب في حياةٍ يوميةٍ بسيطة، صادقة، وإنسانية. كنا أبناء مدينةٍ واحدة، نتشارك الخبز والفرح والهمَّ، دون أن يُملي علينا أحد كيف نرى بعضنا البعض.
ثم تغيَّر كل شيء.
بعد الاجتياح “الإسرائيلي” وخروجه، لم تعد صور كما كانت. ومع تصاعد موجات التطرّف الديني في المنطقة، وامتداد تأثيرات التحولات الإقليمية الكبرى، بدأت ملامح المدينة تتبدل. شيئًا فشيئًا، اختفى ذلك التوازن الذي كان يحمي روحها، وحلَّت مكانه فوضى الهويات المغلقة، والانتماءات الضيقة، والخطابات التي لا تشبه صور التي عرفناها.
لم تعد المدينة مساحة لقاء، بل ساحة شدٍّ وجذب.
لم تعد بيتًا للجميع، بل مكانًا يشعر فيه البعض أنه ضيفٌ في بيته.
كنت من المحظوظين الذين عاشوا خارجها، لكن هذه النعمة كانت تحمل في طياتها ألمًا مضاعفًا. في كل زيارة، كنت أبحث عن صور التي أعرفها، فلا أجد إلا أجزاءً متناثرةً منها. ومع كل عودة، كان حبي لها يُختبر، لا لأنه يضعف، بل لأنه يُصدم بما آلت إليه.
سيقول البعض، أنتم تعيشون بأمانٍ في صور. وهنا تكمن المأساة.
الأمان ليس منَّةً من أحد.
الأمان ليس هديةً تُعطى أو تُسحب.
الأمان حقٌّ طبيعيٌّ أصيل، لا يُفاوض عليه، ولا يُستخدم أداةَ تذكيرٍ أو امتنان.
هذه مدينتي، قبل أن تكون ساحةً لأي خطابٍ أو مشروع.
هذه أرضي، كما هي أرض كل من ينتمي إليها بصدق.
وسيقول آخرون، نحن نحميكم.
وأقول، لا أحد يحمي أحدًا في مدينةٍ حقيقية. نحن نحمي بعضنا، أو نسقط جميعًا.
كم مرةً فُتحت بيوتنا لأهل صور، بكل أطيافهم، لاحتضان من ضاقت بهم الحروب؟
كم مرةً وقف الناس معًا، بلا حسابات، في وجه الخوف؟
هذه هي صور التي نعرفها، لا صور الشعارات، ولا صور الاصطفافات، ولا صور الأحزاب، ولا صور الأعلام.
ما يؤلم اليوم، ليس فقط تغيُّر الواقع، بل محاولة سرقة هوية المدينة، وإعادة تشكيلها بما لا يشبهها، ولا يشبه تاريخها، ولا يشبه ناسها. وكأنها لم تعد مدينة، بل مساحةً مُلحقةً بمشاريع أكبر منها، غريبة عنها، تُفرض عليها فرضًا.
لكن، ورغم كل هذا الألم، ورغم هذا الحزن الثقيل، لن نستسلم.
نحن أبناء هذه المدينة، الذين عرفوها كما كانت، والذين يحملون ذاكرتها الحقيقية، لن نقبل أن تُختطف إلى الأبد. لن نقبل أن يُمحى وجهها، أو أن يُعاد تعريفها خارج تاريخها وهويتها.
صور ليست ملكًا لأحد.
صور ليست ساحةً لأحد.
صور مدينتي ومدينتك ومدينته، وستبقى مدينة الحرف، لا مدينة الأعلام والصور.
وسنُعيدها بالكلمة، بالوعي، بالإصرار، وبالتمسك بما كانت عليه، مدينةً للحياة، لا للانقسام، للإنسان، لا للمشاريع.
قد يطول الطريق، لكننا لن نتراجع.
لأن صور التي في داخلنا أقوى من كل ما فُرض عليها.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير