صدق الشيخ #علي_الخطيب : إنها مسؤولية الدولة

الدولة لا تقوم بشراكة مع الدويلة

الدولة لا تقوم بشراكة مع #الدويلة
@MirazJundi
بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت

أصاب نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب عندما قال إن ما يجري هو من مسؤولية الدولة.

فهذه العبارة، على بساطتها، تختصر جوهر الأزمة اللبنانية التي تتكرّر منذ سنوات، حيث يُطلب من الدولة أن تتحمّل المسؤولية كاملة، فيما تُمنع في الوقت نفسه من امتلاك كامل صلاحياتها.

الدولة، في أي نظام طبيعي، هي المرجع الأعلى في الأمن والقضاء والقرار السياسي والعسكري، وهي الجهة الوحيدة المخوّلة حماية المواطنين ورعاية مصالحهم. ولا يمكن لأي مجتمع أن يستقر إذا تعدّدت مراكز القرار فيه، أو إذا وُجدت سلطات موازية تنازع الدولة دورها وتشاركها ما لا يقبل الشراكة.

إن المطالبة بدور الدولة أمر مشروع، بل ضرورة وطنية، لكن هذه المطالبة تفقد معناها عندما تتحوّل إلى مطلب انتقائي، يُرفع في بعض الملفات ويُسقط في ملفات أخرى. فلا يمكن الدعوة إلى دولة تدفع التعويضات وتؤمّن الخدمات وتتحمّل الأعباء المالية، وفي الوقت نفسه رفض أن تكون هي صاحبة القرار في السلم والحرب، أو أن تكون المرجع الوحيد في حمل السلاح وفرض القانون.

المشكلة في لبنان لم تكن يومًا في فكرة الدولة، بل في التعامل معها..

فالجميع يريد دولة قوية عندما يتعلّق الأمر بالحقوق، لكن الحماسة نفسها تختفي عندما يتعلّق الأمر بالواجبات. نريد دولة تحمي، لكن لا نريد دولة تحاسب. نريد دولة تدفع، لكن لا نريد دولة تقرّر. نريد دولة عادلة، لكننا نرفض أن تكون هي وحدها صاحبة السلطة.

لقد أدّت هذه الازدواجية إلى إضعاف مؤسسات الدولة وإلى تكريس واقع غير طبيعي، حيث تعيش الدولة إلى جانب قوى تمتلك من القدرة ما يسمح لها بتجاوزها أو فرض أمر واقع عليها. وهذا الواقع لا يمكن أن ينتج استقرارًا، لأن الدولة لا تستطيع أن تقوم بدورها الكامل إذا لم تكن صاحبة القرار الكامل.

كما أن تحميل الدولة مسؤوليات مالية واقتصادية واجتماعية متزايدة، في ظل استمرار المحاصصة والزبائنية وتضخّم الإدارة بالوظائف غير المنتجة، يزيد من عجزها ويعمّق فقدان الثقة بها. فلا يمكن المطالبة بدولة فعّالة، فيما تُستنزف مؤسساتها وتُستخدم كأداة تقاسم نفوذ بدل أن تكون إطارًا جامعًا لكل المواطنين.

إن العودة إلى الدولة لا تكون بالشعارات، بل بالالتزام بمبدأ واضح: لا يمكن أن تقوم دولة ودويلة في آن واحد.

فإمّا أن تكون الدولة هي المرجع الوحيد في القرار والسلاح والقانون، وإمّا أن يبقى البلد أسير التناقضات التي تمنعه من الاستقرار.

لبنان اليوم أحوج ما يكون إلى اتفاق وطني صريح على أولوية الدولة، ليس لأن ذلك مطلب سياسي لفريق دون آخر، بل لأن أي صيغة أخرى أثبتت أنها تؤدي إلى الضعف والانقسام وتعطيل المؤسسات.

الاعتراف بأهمية الدولة خطوة صحيحة، لكن الخطوة الأهم هي القبول بدولة واحدة، لا شراكة فيها مع دويلة، ولا سلطة تعلو على سلطتها، ولا قرار يوازي قرارها.

الدولة لا تقوم بالتمنّي، بل بقيام الجميع تحت سقفها.

والمفارقة الكبرى أن خلافنا الأساسي في لبنان اليوم لا يكمن في الرغبة بالدولة، بل في أن مجموعة لا تزال تأتمر بأمر دولة خارجية، وتستتر خلف شعارات الحق، بينما تريد أن تبقى دويلة داخل الدولة.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com