حكم الزعران على الدولة

بقلم د. حبيب باشا – خاص بوابة بيروت

ليس أخطر على وطنٍ من أن تُختطف دولته، ولا أشد فتكًا من أن يُختزل مصيره في يد جماعةٍ لا تعترف به إلا ساحةً لنفوذها. حين تتحول الدولة إلى ظلّ، ويصبح القرار الحقيقي خارج مؤسساتها، نكون أمام مشهد لا علاقة له بالسيادة ولا بالكرامة الوطنية، بل أمام حكم الزعران بثياب السياسة.

المشكلة ليست فقط في سلاحٍ خارج الشرعية، بل في هويةٍ سياسية وعقائدية لا تنتمي إلى هذا الكيان، ولا تعبّر عن مجتمعه، ولا حتى عن الطائفة التي تدّعي تمثيلها.

الانتماء هنا ليس للوطن، بل لمشروعٍ عابر للحدود، يُدار بعقلٍ آخر، ويخضع لمرجعيةٍ لا ترى في هذه الأرض إلا ورقة تفاوض. وعندما يصبح القرار بالحرب والسلم جزءًا من حسابات إقليمية لا علاقة لها بمصلحة الناس، يتحول المواطن إلى رهينة، والوطن إلى منصة.

لقد خاض هذا البلد حروبًا لم يخترها. دُفعت أثمانها من دماء أبنائه، ومن اقتصاده، ومن استقراره. ومع كل حرب، كان الخطاب نفسه يتكرر، حماية، مقاومة، ردع. لكن الوقائع كانت تقول شيئًا آخر، تدمير للبنية، إنهاك للمجتمع، وتكريس لواقعٍ خارج الدولة. أي مقاومة تلك التي تُبقي شعبها في حالة نزف دائم؟ وأي حماية تُبنى على حساب حاضر الناس ومستقبلهم؟

في المقابل، لا يمكن إعفاء الدولة والحكومات المتعاقبة منذ الطائف حتى اليوم من مسؤوليتها. ضعفها لم يكن قدرًا، بل نتيجة تراكم من التواطؤ والعجز والخوف. سلطة تعرف أنها منزوعـة القرار، لكنها تتصرف وكأن الأمر طبيعي. أحزاب تتقاسم الفتات، وتُغطي الانهيار بخطاباتٍ فارغة. مجتمع مدني يُحاصر أو يُساوم أو يكتفي بالبيانات. وناسٌ أنهكهم الخوف، فاختاروا السلامة على حساب الكرامة، والصمت على حساب الحق.

أما السلم الأهلي الذي يُرفع كشعارٍ دائم، فقد تحوّل إلى ذريعة. يُستخدم لإسكات أي اعتراض، ولتبرير أي تجاوز. لكن أي سلمٍ هذا الذي يقوم على الخضوع؟ أي استقرارٍ يُبنى فوق خوف الناس من سلاحٍ موجّه إلى الداخل بقدر ما يُفترض أنه موجّه إلى الخارج؟ السلم الحقيقي لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالعدالة، وباحتكار الدولة للسلاح، وبمساواة المواطنين أمام القانون.

الحقيقة المُرّة أن هذا الواقع لم يولد فجأة. هو نتيجة سنوات من التسليم، من التنازل خطوةً بعد خطوة، حتى أصبح الاستثناء قاعدة، والخلل نظامًا. وكلما طال الصمت، ترسّخ الأمر أكثر، حتى بدا وكأنه قدرٌ لا يُمكن تغييره.

لكن الأقدار تُصنع، ولا تُفرض.

أنا واحدٌ من هذا الجيل الذي عاش أكثر من نصف عمره في حروبٍ لم يخترها. رأيت كيف تُسرق الأعمار، وكيف يتحول الخوف إلى عادة، وكيف يُورّث الآباء أبناءهم وطناً مثقلاً بالعجز. هذا الألم ليس خطابًا، بل ذاكرة حيّة لا تُمحى.

ولهذا، فإن النداء اليوم ليس ترفًا ولا شعارًا.

إلى الدولة، استعيدي قراركِ أو اتركي مكانكِ لمن يفعل.

إلى الأحزاب، كفّوا عن الحسابات الصغيرة، فالوطن أكبر من حصصكم.

إلى المجتمع المدني، اخرجوا من الرماد، فدوركم أن تكونوا صوتًا لا صدى.

إلى اللبنانيين، الخوف مفهوم، لكن الاستسلام جريمة بحق أولادكم.

قوموا. هبّوا. دافعوا عن وطنٍ يستحق أن يُعاش فيه، لا أن يُستخدم ساحةً لصراعات الآخرين. لا تعيدوا أخطاء آبائكم حين استسلموا، فتركوا لكم مزرعةً فلتانة. أنتم اليوم أمام خيارٍ واضح، إما أن تكتبوا مصيركم بأيديكم، أو يُكتب عليكم إلى أجلٍ لا يُعرف.

والصمت… لم يعد خيارًا.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com