في أحد القيامة… بين الفطر والرجاء، هل يتعلّم اللبنانيون الغفران الوطني؟
خاص بوابة بيروت

كاتبة وناشطة سياسية
في شهرٍ جمع بين ختام رمضان وعيد الفطر وأجواء القيامة، يعيش لبنان مفارقة روحية مؤلمة: طقوسٌ تدعو إلى الرحمة… وواقعٌ يثقل بالخوف والانقسام.
في هذا الأحد، لا يمرّ عيد القيامة على لبنان كمناسبة دينية عابرة.
فهو يأتي هذا العام في شهرٍ حمل للتو ختام رمضان وعيد الفطر، وكأن اللبنانيين انتقلوا، خلال أيام قليلة، من مدرسة الصوم والرحمة والتسامح، إلى معنى القيامة والرجاء والانتصار على الألم.
إنه تزامن روحي نادر، لا في روزنامة الأعياد فقط، بل في معانيها أيضًا.
ففي رمضان، يتدرّب الإنسان على كبح النفس، وكسر الغضب، وتطهير القلب، والرحمة بالآخر.
وفي الفطر، يحتفل بثمرة هذا التهذيب الداخلي.
أما في القيامة، فيتأمل معنى النهوض بعد الجرح، والعبور من الموت إلى الحياة، ومن الانكسار إلى الرجاء.
لكن لبنان، اليوم، يعيش المفارقة الأقسى، كلما ارتفعت معاني الأعياد، بدا الواقع على الأرض أكثر هبوطًا إلى لغة الخوف والانقسام.
فاللبنانيون، في هذه المرحلة، لا يعيشون فقط ضغط الحرب والنزوح والضيق الاقتصادي وغياب الدولة، بل يعيشون أيضًا حالة أشدّ خطورة:
تآكل الثقة بينهم.
هذه هي الحقيقة التي لا بدّ من قولها بهدوء ووضوح.
ما يحدث على الأرض لا يُختصر فقط بمشهد النزوح أو القلق الأمني، بل بما كشفه هذا المشهد من هشاشة داخلية.
فور اشتداد الخطر، عاد اللبنانيون إلى أسئلة يعرفونها جيدًا، من يشبهني؟ من أخاف منه؟ من أستقبل؟ من أرفض؟ من هو الضحية؟
ومن أتعامل معه كأنه تهديد فقط لأنه ينتمي إلى بيئة أو طائفة أو منطقة معينة؟
وهكذا، بدل أن يتحوّل الألم إلى تضامن، تحوّل عند كثيرين إلى فرزٍ نفسي وطائفي صامت.
هذا لا يعني أن المخاوف ليست حقيقية. ولا يعني أن الناس لا تملك أسبابها أو جراحها أو هواجسها.
لكن الخطر يبدأ حين تتحوّل المخاوف إلى سرديات جاهزة، وحين يصبح اللبناني أسير روايات تُقال له يوميًا حتى يكرّرها كأنها حقيقة مطلقة، من دون أن ينتبه أنه يساهم، من حيث لا يدري، في تعميق الشرخ نفسه الذي يشتكي منه.
هنا تحديدًا تكمن المأساة اللبنانية.
في شهر الغفران والقيامة، شعبٌ يصلّي للرحمة…
لكن كثيرًا من أبنائه يجرحون بعضهم بالكلمة، وبالتخوين، وبالتحريض، وبالفرز، وبسهولة التعميم.
وفي هذه اللحظة، تبدو الطقوس الروحية أحيانًا أكثر رقيًّا من الحياة العامة.
ففي الكنائس، يُرفع معنى الغفران فوق الجراح.
وفي رمضان والفطر، يُرفع معنى الرحمة فوق الغضب.
أما في الواقع، فكثيرًا ما تتقدّم العصبيات على الأخلاق، والمخاوف على العقل، والانتماءات الضيقة على فكرة الوطن.
وهنا، لا يعود السؤال دينيًا فقط، بل وطنيًا بامتياز، هل تعلّمنا فعلًا شيئًا من أعيادنا؟
هل تعلّمنا أن الغفران لا يعني التنازل عن الحقيقة، بل ألّا نحوّل الحقيقة إلى حقد؟
وهل تعلّمنا أن القبول لا يعني التخلّي عن الموقف، بل ألّا نلغي إنسانية من نختلف معهم؟
وهل تعلّمنا أن السيادة لا تُبنى على الكراهية، بل على دولة عادلة، ومؤسسات قوية، وخطاب صادق، وشراكة وطنية لا تُدار بالخوف؟
لبنان اليوم لا يحتاج فقط إلى تهدئة سياسية.
هو يحتاج إلى مواطنة روحية وأخلاقية، مواطنة تعيد الإنسان إلى قلب المعادلة، وتعيد الدولة إلى موقعها الطبيعي، وتعيد إلى اللبنانيين وعيهم بأنهم، رغم كل الجراح، لا يستطيعون النجاة إلا معًا.
فهذا البلد لا ينقصه التنوّع، بل ينقصه الصدق في إدارة هذا التنوّع.
ولا تنقصه المناسبات الجامعة، بل تنقصه الإرادة التي تحوّلها إلى سلوك عام.
ولا تنقصه الصلوات، بل تنقصه ترجمتها إلى لغة وطنية تحمي الناس من بعضهم، لا تتركهم أسرى الشك المتبادل.
وفي هذا اليوم تحديدًا، أحد القيامة، لا يحتاج اللبنانيون فقط إلى أن يتبادلوا التهاني.
هم بحاجة إلى ما هو أعمق، أن يعترفوا بأن الخطاب الجامع لم يعد يكفي إذا كانت النوايا ما زالت انقسامية ومضلِّلة من كل الجهات.
وأن لا قيامة حقيقية للبنان ما دام أسير المحاصصة، والتخوين، والولاءات التي تعلو على الدولة.
وأن الوقت حان، فعلًا، كي يستعيد هذا الوطن سيادته، وهيبة مؤسساته، ومعنى العيش تحت راية واحدة فقط: العلم اللبناني.
ورغم كل شيء، يبقى الرجاء واجبًا لا ترفًا.
لأن الأعياد، في جوهرها، لا تأتي لتجميل الواقع، بل لتذكير الإنسان بأنه قادر على تجاوزه.
ولأن اللبنانيين، مهما تعبوا، ما زالوا في عمقهم يريدون الشيء نفسه، سلامًا حقيقيًا، ودولةً تحميهم، ووطنًا لا يخاف فيه أحد من أحد.
لذلك، لعلّ أجمل ما يمكن أن نحمله من الفطر والقيامة هذا العام، ليس فقط صورة العيد، بل معناه…
أن نختار الرحمة بدل الكراهية، والوعي بدل التجييش، والسيادة بدل الفوضى، والمواطنة بدل الانقسام.
في أحد القيامة، وبين أثر الفطر القريب، يبقى السؤال معلّقًا أمام اللبنانيين جميعًا. هل نكتفي بالصلاة من أجل الوطن… أم نبدأ أخيرًا التصرّف كأننا نريد قيامته فعلًا؟
عيد مجيد… وليكن المجد هذا العام لوطنٍ يستحق أن يعود إلى نفسه.