بيروت بين العجز والنهب : عقاراتٌ تُهدى بدل أن تُستثمر

خاص بوابة بيروت

ملف أملاك بلدية بيروت لم يعد تفصيلًا إداريًا عابرًا، بل تحوّل إلى مشهدٍ فاضحٍ لانهيار المعايير، حيث يُستخدم الملك العام ساحةً للمحاصصة العلنية. لا دفاتر شروط، لا شفافية، ولا أي اعتبارٍ لمصلحة المدينة. ما يحدث هو توزيع مغانم، لا إدارة أصول.

في وقتٍ تعاني فيه البلدية من شحٍّ حادٍّ في المداخيل، وعجزٍ واضحٍ عن تأمين أبسط متطلبات المدينة من خدماتٍ وبنى تحتية، تتكشف صورةٌ مقلقة: عقارات بيروت تُوزَّع وكأنها “جوائز ترضية” بين أصحاب النفوذ. المحافظ وأعضاء المجلس البلدي يتصرفون بمنطق الحصص، لا بمنطق المسؤولية.

الوقائع لم تعد خفية. عقارٌ يُمنح لجمعيةٍ يرأسها النائب ملحم خلف، فيُقابَل بعقارٍ آخر يُمنح لـجمعية المشاريع التي بدأت بالحفر لبناء مبنى في أرض البلدية دون موافقة رئيس وأعضاء المجلس البلدي، ودون إذنٍ بالبناء من المحافظ. هكذا تُوزَّع الحصص وكأنها جوائز ترضية، فيما الصفقات تتمدّد والملفات تتراكم. تُدار أملاك المدينة وفق مقايضاتٍ ومحسوبيات، لا منافسة، ولا مزايدات، ولا معايير. وكأن المثل القائل “المال السائب يُعلّم الحرام” لم يعد تحذيرًا، بل توصيفًا دقيقًا لما يجري.

الوضع يتطلب استرجاع 620 عقارًا وُهِبَت من قبل المحافظين الذين توالوا على إدارة شؤون بيروت، من دون أي دفاتر شروط أو مزايدات، وذلك من أصل 1680 قطعة، بين عقاراتٍ كبيرةٍ وفضلات مشاريع مخططة تملكها البلدية. هذه العقارات قادرةٌ على أن تكون مصدر دخلٍ كبير يعيد للمدينة قدرتها على خدمة سكانها، ويوقف الهدر الصارخ لأملاكها.

المفارقة أنّ بيروت، المصنّفة من المدن الغنية بإمكاناتها، تبدو اليوم عاجزةً عن تأمين مواردها، لا بسبب الفقر، بل بسبب سوء الإدارة. فلو أُحسن استثمار أملاكها، لكانت قادرةً على تحقيق مداخيل كفيلة بإعادة النهوض بالمدينة وخدماتها.

بيروت اليوم بحاجةٍ إلى قراراتٍ حاسمة، لا إلى تبريرات: استرجاع أملاكها، إعادة فتح كل الملفات، من العقارات البرية إلى الأملاك البحرية، وإخضاعها لدفاتر شروطٍ شفافةٍ وواضحة، تضمن منافسةً عادلة، وتؤمّن أعلى عائدٍ ممكنٍ للمدينة، لا لأصحاب المصالح.

كل ليرةٍ تُهدر هي فرصةٌ ضائعة لتحسين حياة الناس. هي وظيفةٌ لم تُخلق، وخدمةٌ لم تُقدَّم، وكرامةُ مواطنٍ تُستباح. هذه الأموال قادرةٌ على إصلاح الطرقات، وتطوير البنى التحتية، وإنشاء الحدائق، وخلق فرص عملٍ تحفظ كرامة أبناء المدينة.

بيروت لا ينقصها المال، بل النزاهة. لا ينقصها الموارد، بل الإدارة.

الصرخة وجع، والسكوت جريمة، فهل من يسمع؟

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com