واشنطن اليوم… ولبنان أمام اختبار الدولة
خاص بوابة بيروت

كاتبة وناشطة سياسية
في لحظة شديدة الحساسية من تاريخ لبنان الحديث، تتجه الأنظار اليوم إلى واشنطن، حيث تنعقد مفاوضات نادرة بين ممثلين عن لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، في مشهد غير مسبوق منذ عقود، وفي توقيت بالغ الخطورة سياسياً وأمنياً. هذه ليست مجرد جلسة دبلوماسية عابرة، ولا مجرد صورة لقاء تلتقطها الكاميرات ثم تُطوى. ما يجري اليوم يتجاوز الشكل إلى الجوهر: إنه اختبار فعلي لموقع الدولة اللبنانية، ولقدرتها على أن تتكلم باسم لبنان، لا باسم الساحات المفتوحة على الحروب والرسائل الإقليمية.
لبنان لا يصل إلى واشنطن من موقع الرفاه السياسي، بل من قلب جرح مفتوح. الجنوب اللبناني دفع، ولا يزال، أثماناً باهظة من أمنه وأرضه وأهله واقتصاده، فيما يعيش اللبنانيون منذ أشهر تحت وطأة تصعيد عسكري خطير، وقلق يومي، ونزيف وطني لا يحتمل جولة جديدة. ولهذا تحديداً، فإن أي مسار تفاوضي اليوم لا يجب أن يُقرأ كتنازل، بل كمحاولة لوقف الانحدار، وفتح نافذة ضيقة أمام الدولة كي تستعيد دورها الطبيعي في حماية شعبها وحدودها وقرارها الوطني.
وفي هذا السياق، يكتسب حضور السفيرة ندى معوض في واشنطن أهمية خاصة، بوصفها تمثّل الدولة اللبنانية في لحظة دقيقة، وتتحمّل مع الوفد اللبناني مسؤولية نقل موقف رسمي واضح: لبنان يريد وقف العدوان، حماية المدنيين، تثبيت حقوقه، ومنع تحويل أرضه مجدداً إلى صندوق بريد بالنار. فالمطلوب من أي وفد لبناني اليوم ليس مجرد الجلوس إلى الطاولة، بل أن يحمل معه ما يكفي من الوضوح والثبات كي لا تتحول المفاوضات إلى إدارة مؤقتة للأزمة بدل أن تكون بداية مسار مختلف.
وهنا لا بد من التذكير بحقيقة أساسية: المفاوضات لا تعني التطبيع المجاني، ولا تعني التفريط، ولا تعني القفز فوق الدم اللبناني. بل قد تكون، إذا أُديرت بوعي ومسؤولية، أول محاولة جدية منذ سنوات لإخراج لبنان من موقع الساحة إلى موقع الدولة. وهذا هو جوهر المعركة الحقيقية.
لقد اعتاد اللبنانيون، للأسف، أن يكون بلدهم ساحةً لتصفية الحسابات، أكثر مما كان وطناً يُدار بمنطق المؤسسات. كلما اشتعل الإقليم، اشتعل الجنوب. وكلما ارتفعت حرارة الصراع الخارجي، دفع اللبنانيون الثمن في بيوتهم وأرزاقهم ومستقبل أولادهم. ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي اليوم لا يجب أن يبقى محصوراً بمن جلس مع من، أو بمن صافح من، أو بأي عنوان انفعالي يُستخدم في الداخل لتخوين هذا الطرف أو ذاك. النقاش الحقيقي يجب أن يكون أبسط وأعمق في آن: هل يريد اللبنانيون أن يكون قرار الحرب والسلم بيد دولتهم، أم أن يبقى معلقاً فوق رؤوسهم كلما قرر الآخرون فتح الجبهة أو إغلاقها؟
هذه اللحظة لا تحتمل المزايدات. فهناك من يرفض التفاوض من حيث المبدأ، وهناك من يراه فرصة، وهناك من يخشى أن يتحول لبنان مجدداً إلى ورقة تفاوض في ملف أكبر منه. وكل هذه المخاوف مفهومة في بلد خبر الخيبات والانكسارات والاتفاقات الناقصة. لكن الحقيقة الأوضح تبقى أن الاستمرار في اللاقرار أخطر من التفاوض نفسه. لأن بقاء الأمور على ما هي عليه لا يعني إلا شيئاً واحداً: مزيداً من الدم، ومزيداً من الدمار، ومزيداً من تآكل ما تبقى من هيبة الدولة.
من هنا، فإن المطلوب من لبنان الرسمي اليوم ليس فقط أن يشارك، بل أن يشارك بموقف واضح وصلب: لا تفاوض خارج المصلحة الوطنية، لا ترتيب على حساب السيادة، لا حلول تُبقي الجنوب رهينة المعادلات نفسها التي أوصلتنا إلى هذا الخراب. وفي المقابل، لا يمكن لأي مسار جدي أن يُكتب له النجاح ما لم ينطلق من ثوابت بديهية: وقف فوري للاعتداءات الإسرائيلية، انسحاب من أي أراضٍ لبنانية محتلة، حماية المدنيين والقرى الحدودية، دعم الجيش اللبناني والمؤسسات الشرعية، وتثبيت أن الأمن الوطني لا يُدار إلا عبر الدولة اللبنانية وحدها.
هذه ليست شروطاً متشددة، بل الحد الأدنى من احترام الكيان اللبناني نفسه.
أما الأخطر، فهو أن تتحول مفاوضات اليوم إلى مجرد شراء وقت، أو إلى هدنة تقنية تؤجل الانفجار من دون أن تعالج جذوره. أن نُلبس المأزق ثوباً دبلوماسياً ونتركه يتفاقم في العمق. أن نكتفي بلغة “خفض التصعيد” فيما تبقى البلاد رهينة التوتر نفسه، والحدود مفتوحة على الاحتمالات نفسها، والدولة عاجزة عن الإمساك الكامل بقرارها. لبنان لا يحتاج اليوم إلى صورة لقاء، ولا إلى سبق إعلامي، ولا إلى مشهدية سياسية تُستهلك لساعات على الشاشات. لبنان يحتاج إلى بداية مسار مختلف: مسار يعيد الاعتبار إلى الدولة، ويُنهي منطق تعدد المرجعيات الأمنية، ويمنع تحويل الجنوب إلى ساحة رسائل دائمة، ويقول بوضوح إن هذا البلد لم يعد يحتمل أن يُدار على قاعدة الانفجارات الدورية والتسويات المؤقتة.
قد لا تخرج مفاوضات واشنطن اليوم بحل نهائي. وقد لا تُنهي الحرب دفعة واحدة. وقد لا تنتج اتفاقاً شاملاً خلال ساعات. لكن، رغم كل شيء، هي لحظة مفصلية، لأنها تضع لبنان أمام سؤال واضح وصريح: هل يريد أن يبقى بلداً يُستدعى دائماً إلى حافة الحرب؟ أم يريد أخيراً أن يفرض نفسه دولةً لها قرار، ومؤسسات، وحدود، وجيش، ومصلحة وطنية لا تُختصر بأي محور ولا تُختطف بأي سلاح؟
ومن هنا، فإن الموقف المطلوب اليوم ليس الانفعال، ولا المزايدة، ولا التخوين المتبادل. المطلوب هو حماية فكرة الدولة.
فإذا نجح لبنان الرسمي، بقيادة الرئيس نواف سلام، وبتمثيل السفيرة ندى معوض في واشنطن، في تثبيت هذا المسار، ولو تدريجياً، يكون قد فتح نافذة نادرة للخروج من الحلقة الجهنمية التي أكلت الجنوب والداخل معاً. أما إذا تراجع، أو دخل المفاوضات بلا رؤية، أو سمح بإعادة إنتاج المعادلة نفسها، فسنكون أمام جولة جديدة من النزف المؤجل، لا أكثر.
واشنطن اليوم ليست نهاية الطريق، لكنها بالتأكيد لحظة اختبار. والرهان الحقيقي ليس على ما ستقوله العواصم، بل على ما إذا كان لبنان قد قرر أخيراً أن يتصرف كدولة. ودعم نواف سلام اليوم ليس دعماً لشخص… بل لفرصة أخيرة لإنقاذ فكرة الدولة.