وهم القوة : كيف تحوّل سلاح المقاومة إلى عبء يقيّد لبنان ويدمّره

بقلم د. حبيب باشا – خاص بوابة بيروت

لم يعد الحديث عن «المقاومة» في لبنان مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل أصبح مواجهة مباشرة بين روايتين، واحدة تروّج لسلاح خارج الدولة كـورقة قوة، وأخرى ترى في هذا السلاح أصل الأزمة ومصدر استنزاف دائم للبنان.

الوقائع، لا الشعارات، هي ما يحسم هذا الجدل

في حرب تموز 2006، دُفع لبنان إلى حرب مدمّرة لم يقرّرها كدولة. النتيجة لم تكن نصرًا استراتيجيًا كما يُروَّج، بل دمارًا واسعًا، آلاف الضحايا، وخسائر اقتصادية بمليارات الدولارات. منذ تلك اللحظة، تكرّست معادلة خطيرة، قرار الحرب يمكن أن يُتخذ خارج مؤسسات الدولة، لكن كلفته تُفرض على كل اللبنانيين.

ومع الحرب الأهلية السورية، لم يعد السلاح محصورًا بما يُسمّى الدفاع عن لبنان، بل تحوّل إلى أداة انخراط في صراعات إقليمية. هذا التحول لم يحمِ لبنان، بل زاد عزلته، وعمّق الانقسام الداخلي، وربط مصيره بمحاور خارجية لا تخدم بالضرورة مصلحته الوطنية.

اليوم، تتكرر الصورة بشكل أكثر وضوحًا. منذ اندلاع حرب غزة 2023، مرورًا بهدنٍ هشة لم تغيّر من واقع القتل والتدمير، وصولًا إلى جولات عنف متجددة تُسوَّق تحت عناوين مختلفة، يعيش جنوب لبنان حالة حرب يومية عالية الوتيرة: قصف، استهدافات، نزوح، وخسائر مستمرة.

يُقدَّم ذلك تحت عنوان الثأر و الإسناد، لكن الواقع مختلف تمامًا:

• آلاف العائلات أُجبرت على ترك منازلها.
• مناطق كاملة شُلّت اقتصاديًا.
• لبنان وُضع مجددًا على حافة حرب شاملة.

كل ذلك دون أن يكون للدولة اللبنانية قرار فعلي في فتح هذه الجبهة أو إدارتها.

هنا يسقط جوهر فكرة ورقة القوة. لأن القوة الحقيقية لا تُقاس بالقدرة على إشعال الجبهات، بل بالقدرة على التحكم بها. وما يعيشه لبنان اليوم هو العكس تمامًا، بلد يُساق إلى المواجهة، لا بلد يختارها.

حتى داخليًا، لم يكن هذا السلاح عامل استقرار. في أحداث 7 أيار 2008، استُخدم في الداخل، في مشهد كشف بوضوح أن ميزان القوة لا يخضع للدولة، بل يفرض نفسه عليها.

ثم يأتي الخطاب الذي يربط هذا السلاح بـالتفاوض من موقع قوة. لكن أي تفاوض هذا الذي يتم ودولة القرار فيه منقوصة؟ وأي موقع قوة لدولة لا تحتكر قرار الحرب؟ في الواقع، هذا النموذج يضعف موقع لبنان التفاوضي، لأنه يقدّمه كدولة غير قادرة على ضبط أراضيها أو قراراتها.

أما الحديث عن الردع، فهو الأكثر تضليلًا. لأن الردع يفترض تقليل المخاطر، بينما ما نراه هو العكس، دورات متكررة من التصعيد، خسائر بشرية، وتدمير تدريجي لما تبقّى من مقومات الدولة.

الخلاصة القاسية، لكنها الواقعية، هي أن ما يُسمّى مقاومة لم يتحول إلى مصدر قوة للدولة اللبنانية، بل إلى عبء ثقيل عليها، عبء يقيّد قرارها، يستنزف اقتصادها، ويضع شعبها في دائرة خطر دائم.

لبنان اليوم لا يعاني من نقص في أوراق القوة، بل من فائض في الأوهام. وأخطر هذه الأوهام هو الاعتقاد أن السلاح خارج الدولة يمكن أن يبني دولة.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com