
كاتب ومحلل سياسي
الفضاء العام تحت الاحتلال: حين تصبح الصور «علامات حدود» بين الدويلات
خاص بوابة بيروت
في فلسفة الدولة الحديثة، يُعرَّف الفضاء العام بأنَّه «المُشاع الوطني» الذي تنصهر فيه الهويات الفئوية لصالح هوية المواطنة الجامعة.
لكن في الحالة اللبنانية، استُبدلت هذه الفلسفة بواقعٍ مرير يمكن تسميته بـ«الاحتلال البصري»، حيث لم تعد الشوارع والساحات ملكًا للمواطن، بل تحوَّلت إلى ساحات نفوذ تفرض فيها القوى الميليشياوية «أختامها» الرمزية على الجدران والأعمدة.
سيكولوجيا السطو على المشهد
إنَّ تكدّس الصور واليافطات والرايات الحزبية في الفضاء العام ليس فعلًا عفويًّا، بل هو فعلُ احتلالٍ نفسي يهدف إلى تكريس واقع «الدويلة» داخل الدولة. فعندما تغزو صورة «الزعيم» أو شعار «المحور» مدخل مدينة أو جسرًا حيويًّا، فهي لا تهدف إلى الترويج الفكري فحسب، بل إلى بعث رسالةٍ سياسيةٍ وأمنيةٍ واضحة: «هذا النطاق الجغرافي يخضع لسيادتنا».
هنا تتحوَّل الصورة من وسيلة تعبير إلى «علامة حدود» (Border Marker)، تقسّم الوطن الواحد إلى إقطاعياتٍ بصريةٍ متناحرة، وتُشعر المواطن «الآخر» بأنَّه عابر سبيلٍ غريب في وطنه.
إرث التوتاليتارية وفائض القوة
هذا «الاحتلال البصري» ليس سوى استنساخٍ رديءٍ لأساليب الأنظمة الشمولية التي حوَّلت صور الحكّام إلى «أصنام» تُمارس رقابةً يوميةً على الناس. والخطورة اليوم تكمن في أنَّ هذه الرموز باتت تتقدَّم بصريًّا على العلم اللبناني نفسه، بل إنَّ رفع صور شخصياتٍ ورموزٍ غير لبنانية في الساحات العامة يُعدّ إعلان ارتهانٍ سياديّ بامتياز.
إذ يُراد للبناني أن يعتاد مشهديةً بصريةً تربط يومياته بمشاريع إقليمية عابرة للحدود، لا تشبه هويته الوطنية ولا تخدم مصالحه العليا.
اغتيال المواطنة والدولة المدنية
إنَّ جوهر الدولة المدنية يقوم على حياد الفضاء العام. لكن عندما يصبح لكل منطقة «هويتها البصرية» الخاصة المرتبطة بحزبٍ أو طائفة، تتآكل فكرة الوطن المشترك تلقائيًّا.
هذا الاحتلال يمارس نوعًا من الإقصاء الرمزي؛ فهو يُلغي التعددية الفكرية لصالح لونٍ واحد، ويفرض «قدسيةً» مصطنعةً على صورٍ وأعلامٍ يُمنع المساس بها، ما يخلق «غيتوات» نفسيةً تسبق في خطورتها الجدران الإسمنتية.
السيادة تبدأ من «الحائط»
لا يمكن الحديث عن استعادة الدولة وهيبتها، بينما الفضاء العام محكومٌ بـ«قانون الغاب البصري». إنَّ تنظيف الشوارع والساحات من رموز الانقسام والارتهان ليس ترفًا جماليًّا، بل ضرورةٌ دستورية لفرض سيادة الدولة.
فالسيادة تبدأ عندما تعود «هوية الشارع» وطنيةً صرفة، تحت ظلال العلم اللبناني وحده؛ العلم الذي يجب أن يكون الرمز الأعلى والأوحد، بوصفه المظلّة الجامعة التي لا تُقصي أحدًا ولا تُمجّد فردًا.
نحو تحرير الوجدان الوطني
المعركة الحقيقية اليوم هي معركة استعادة «الوعي». إنَّ «التحرر البصري» هو المقدمة الضرورية للتحرر السياسي؛ فالدولة التي تعجز عن حماية جدرانها من رموز التبعية، لن تستطيع حماية قرارها الوطني.
آن الأوان لكسر «سلطة الصورة» واستعادة «سلطة القانون». فلبنان أكبر من أن يكون مجرّد لوحة إعلاناتٍ لمشاريع الخارج، واللبناني يستحق فضاءً عامًا يتنفّس فيه الحرية، لا فضاءً محكومًا بـ«علامات حدود» ترسمها دويلات السلاح.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير