مشهد سورّيالي عالمي من بطولة ترامب وبينغ

لا يمكن في هذا اليوم إلّا التوقّف على لقاء الجبّارين

الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي

لا يمكن في هذا اليوم إلّا التوقّف على لقاء الجبّارين. أقوى قوّتين اقتصاديّتين في العالم تتّفقان على شراكة قد تسقط من حساباتها كلّ الدّول التي كانت تسعى للعب دور اقتصاديّ ما، ظنًّا منها أنّ هذا الدّور قد يؤمّن لها قدرة على السيطرة عالميًّا. فالناتج المحلي الإجمالي للصين يبلغ حاليًا نحو 20.8 تريليون دولار أميركي. بينما الناتج المحلي الإجمالي للـولايات المتّحدة الأميركيّة يبلغ حاليًا نحو 30.5 تريليون دولار أميركي وهو الأكبر عالميًا.

الرئيس الصيني شي يقول، “إنّ بين البلدين مصالح مشتركة أكثر من الخلافات، وأن نجاح أحدهما يمثل فرصة للآخر، وأن استقرار العلاقات الثنائية فيه خير للعالم. ويجب أن نكون شركاء لا خصومًا، وأن نساعد بعضنا على النجاح والازدهار معًا، وأن نجد الطريق الصحيح لتعايش القوى الكبرى في العصر الجديد”.

وفي السياق يكفي قراءة دلالات الوفد المرافق للرئيس ترامب الذي وصل ومعه قمم الرأسمالية الأميركية:

  • إيلون ماسك – مالك شركة تيسلا للسيارات
  • جنسن هوانغ – مالك شركة نيفيديا لصناعة الشرائح
  • ‏تيم كوك – ممثل شركة آبل للتكتنولوجيا
  • ‏لاري فينك – مالك BlackRock للاستثمارات
  • ‏ديفيد سولومون – مالك Goldman Sachs للتمويل

‏تمثل الشركات المرافقة لترامب مجتمعةً قيمة سوقية تُقدَّر بأكثر من 12 تريليون دولار. أي أنها، أكبر من كامل اقتصاد الهند، وأكبر من معظم دول العالم، وتعادل تقريبًا ثلثي الناتج المحلي الإجمالي للصين.

هذه ليست زيارة دبلوماسية عادية. إنها قمة بين أكبر نظامين اقتصاديين في العالم، يجلس فيها مباشرة إلى الطاولة عمالقة الذكاء الاصطناعي والتمويل والمواصلات والطيران والتكنولوجيا. فالرسالة واضحة لا لبس فيها في القرن الحادي والعشرين، أصبحت الجغرافيا السياسية وقوة الشركات متداخلتين بعمق. فالجغرافيا السياسيّة ستقودها الولايات المتّحدة الأميركيّة منفردة أمّا قوّة الشركات الاقتصاديّة ستكون بالشراكة مع الصين التي تحوّلت من خصم إلى شريك. وفي هذه الزيارة أبلغ الرئيس الصيني شي جين بينغ موافقته على كل طلبات الرئيس ترامب تقريبًا بما فيها:

‏١. عدم السماح لايران بامتلاك سلاح نووي
‏٢. شراء المزيد من النفط الأمريكي
‏٣. شراء المزيد من الغاز الطبيعي الأمريكي
‏٤. شراء 200 طائرة من بوينغ
‏٥. دعم الصناعة في امريكا بشكل مباشر
‏٦. الاتفاق على فتح المضيق و استنكار الاعمال العسكرية الإيرانية!

ولعلّ هذا ما يؤشّر إلى انّ الرئيس ترامب بذهابه مباشرة إلى الصين قد نجح بجعلها شريكًا قويًّا لا خصمًا منافسًا ضعيفًا. ما سيضع العالم في زمن ثنائيّة قطبيّة اقتصاديّة واضحة المعالم. لكن يبقى أن نرى فيما إذا كانت هذه الثنائيّة الاقتصاديّة ستتحوّل مع الزمن إلى ثنائيّة سيطرة سياسيّة على العالم، أم أنّ الاقتصاد هو حدود الصين بينما التوسّع هو حدود أميركا؟

نقاط الاختلاف الجوهرية بين أميركا وإيران

رغم وجود مسودة اتفاق تتضمن 14 بندًا، إلا أنّ المفاوضات اصطدمت بحائط مسدود مؤخرًا بسبب أربع قضايا رئيسية:

  • مصير اليورانيوم عالي التخصيب: حيث تصرّ واشنطن على نقل كامل مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى خارج إيران، وهو ما ترفضه طهران وتعتبره “خطاً أحمر”.
  • مدة التجميد: هناك فجوة زمنية هائلة؛ حيث تطلب الولايات المتحدة وقف التخصيب لمدة 20 عامًا، بينما تقترح إيران 5 سنوات فقط.
  • تفكيك المنشآت: تضغط واشنطن لتفكيك منشآت حيوية مثل “فوردو” و”نطنز”، بينما ترى طهران أن هذا “استسلام كامل” وليس تفاوضًا.
  • سد فجوة المعلومات: كيف يمكن للمفتشين الدوليين استعادة الثقة في مراقبة البرنامج بعد سنوات من “الفجوات المعرفية” وتطوير أجهزة طرد مركزي أكثر تقدماً؟

لكن هل يعني تعثّر المفاوضات “الأميركية – الإيرانيّة” قد يعني عودة سيناريو الضربات؟ أم هنالك احتمال تحت وطأة تشديد الحصار الاقتصادي أن ينفجر الدّاخل الإيراني بوجه فروع الحكم الخمسة: المرشد الأعلى ورئاسة الجمهورية والسلطة التشريعية “مجلس الشورى” والسلطة القضائية والحرس الثوري الإيراني؟ فبين رغبة الرئيس بزشكيان في التفاوض وتشدد التيار المحافظ “بقيادة قاليباف وولايتي”، من يملك الكلمة الأخيرة في تحديد “سقف التنازلات”؟

الاقتصاد مقابل الميدان

الجانب الإيراني يعاني من انهيار اقتصادي حاد وضغوط داخلية، مما يدفعه للبقاء على الطاولة، لكنه يراهن في الوقت نفسه على “الصمود” لانتزاع شروط أفضل. وهذه ديبلوماسيّة حافّة الهاوية الأمل من الاستفادة منها كان ممكنًا قبل أن تطأ قدما الرئيس الأميركي أرض الصين.

فعلى ما يبدو أنّ مفاعيل اللقاء الصيني – الأميركي قد تنعكس “اتفاقًا تاريخيًّا” ينهي التهديد النووي تمامًا، لكنه يواجه ضغوطًا داخلية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي وارتفاع أسعار الوقود نتيجة التوترات في مضيق هرمز.

فعلى ما يبدو أن تداعيات الحصار على إيران كانت أسوأ بكثير من تداعيات الضربات العسكريّة. فالحصار أقلّ كلفة على الولايات المتّحدة الأميركيّة، وهذا ما فتح أسواق نفطها على أوروبا والصين على السواء. ورغم حصار مضيق هرمز، إلا أن التهديد بعودة القصف بشكل أعنف لا يزال قائمًا إذا لم يتم إحراز تقدم في ملف التخصيب.

الميدان اللبناني ضد دبلوماسية واشنطن

لقد وضعت طهران شرطًا جديدًا وهو “وقف الاعتداءات على لبنان”، فهل تحول الملف النووي من قضية تقنية إلى “صفقة إقليمية شاملة” لا يمكن تجزئتها؟ ذلك كلّه يحصل في ضور رسائل الميدان التي ترجمت بتواصل الغارات الإسرائيلية على لبنان وأوامر بإخلاء عدد من قرى الجنوب، حيث حذرت الأمم المتحدة، من تدهور الوضع الإنساني في لبنان رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية وسقوط ضحايا، بينهم مسعفون. كما أوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن أكثر من 100 غارة سُجلت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية وحدها، فيما قتل 87 شخصًا خلال عطلة نهاية الأسبوع. مع الاستمرار المكثف للغارات الإسرائيلية “أكثر من 100 غارة في يوم واحد” في ظل وجود “اتفاق لوقف إطلاق النار”؟ فهل نحن أمام انهيار تقني للاتفاق أم إعادة تعريف لشروطه بالنار؟

مقابل رسائل الميدان هذه سعت إسرائيل إلى إيصال رسالة واضحة عبر الاستمرار في إصدار أوامر إخلاء لقرى في الجنوب اللبناني رغم المساعي الدبلوماسية. وهذا ما انعكس تعثّرًا في أروقة واشنطن، وهنالك احتمال كبير أن يتم ترجمته باتّساع رقعة الحرب ميدانيًّا.

فعلى ما يبدو أنّ الوساطة الدولية في ظل هذه الأرقام المرتفعة للضحايا “أكثر من 2800 قتيل”، قد فشلت في لجم التصعيد، ولأنّ الحكومة اللبنانيّة بدت هي الأخيرة عاجزة عن الاستثمار في قراراتها السياسيّة عبر مؤسّساتها التنفيذيّة، يبدو أنّ هناك ضوءًا أخضر دوليًّا لاستمرار العمليات بوتيرة تصاعديّة ضمن سقف زمني محدد. فهل يحتمل اللبنانيّون المزيد حتى يركن طرفا الصراع الحقيقيّين إلى الاقتناع بأنّ زمن إدارة الأزمات قد ولّى، ودخلنا عمليًّا في زمن إعادة رسم النّفوذ في المنطقة؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك