‎أميركا ترى الصين شريكًا أساسيًا في صنع القرار العالمي

خاص بوابة بيروت

العالم اليوم يعيش مرحلة انتقالية حساسة، حيث تتغير موازين القوى الاقتصادية والسياسية بوتيرة سريعة. وفي قلب هذا التحول، تبدو الصين غير متجهة نحو المواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية بقدر ما تتجه نحو إعادة تعريف العلاقة معها على أساس الشراكة وتبادل النفوذ داخل النظام الدولي.

الصين تدرك أن الولايات المتحدة ما زالت قوة مركزية في الاقتصاد العالمي وفي صناعة القرار الدولي، لكنها في الوقت نفسه ترى أن العالم لم يعد يحتمل إدارة أحادية للسياسات العالمية. لذلك، فإن التصور الصيني يقوم على فكرة أن واشنطن وبكين معاً تمثلان محوراً أساسياً في صنع القرار العالمي، وليس طرفين في صراع مفتوح.

من هذا المنطلق، تسعى الصين إلى بناء علاقة أكثر استقراراً مع الولايات المتحدة، قائمة على التفاهمات الاقتصادية وتخفيف حدة التوترات التجارية، بما يسمح بتوسيع الاستثمارات وتدفق الشركات بين الجانبين، ويجنب الاقتصاد العالمي مخاطر الانقسام الحاد.

وفي الوقت نفسه، تعمل بكين على تعزيز دورها كقوة تدعم الاستقرار الدولي، سواء في الملفات الآسيوية أو في الحرب الروسية الأوكرانية، انطلاقاً من قناعة بأن استمرار الصراعات يهدد سلاسل الاقتصاد العالمية ويعرقل النمو في مختلف المناطق.

كما تدفع الصين باتجاه تقوية أطر التعاون الاقتصادي مثل مجموعة “بريكس”، باعتبارها منصة لإعادة التوازن داخل النظام المالي العالمي، بحيث لا يبقى القرار الاقتصادي حكراً على قوة واحدة، بل يصبح أكثر تعددية وتوازناً بين الاقتصادات الكبرى والصاعدة.

وفي السياق الأوروبي، تشهد بعض الدول نقاشات داخلية متزايدة حول ضرورة تعزيز الاستقلال الاستراتيجي عن الولايات المتحدة، وفتح مسارات اقتصادية أوسع مع الصين باعتبارها شريكاً رئيسياً في التجارة العالمية. وتبرز إسبانيا ضمن هذا السياق كدولة تدفع باتجاه دور أوروبي أكثر توازناً وانفتاحاً على الشرق، بما يتيح إعادة صياغة العلاقات الاقتصادية بعيداً عن الاصطفافات التقليدية.

كما تنظر الصين إلى أميركا الجنوبية كمنطقة ذات أهمية استراتيجية متنامية، حيث تعمل على توسيع حضورها الاقتصادي عبر الاستثمار في البنية التحتية والطاقة والتجارة، في مقابل تراجع تدريجي للنفوذ التقليدي الأحادي هناك.

أما في الشرق الأوسط، فتتعامل بكين مع التحولات السياسية الأخيرة، خصوصاً في سوريا بعد وصول أحمد الشرع إلى السلطة وبداية مرحلة إعادة بناء الدولة، باعتبارها فرصة لتعزيز حضورها الاقتصادي عبر مشاريع إعادة الإعمار، في إطار سياسة تعتمد على الاقتصاد كأداة نفوذ طويلة الأمد.

وفي السياق نفسه، تتابع الصين التطورات المرتبطة بإيران بعد سنوات من الاستنزاف السياسي والعسكري والاقتصادي، والتي أدت إلى تراجع كبير في قدرتها على فرض نفوذها الإقليمي، ما ساهم في إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة باتجاه أكثر ارتباطاً بالاستقرار والمصالح الاقتصادية.

لكن الملف الأكثر حساسية بالنسبة للصين يبقى ملف التكنولوجيا، وخاصة صناعة الشرائح الإلكترونية. فبكين ترى أن القيود الأميركية المفروضة على هذا القطاع ليست مجرد إجراءات اقتصادية، بل جزء من صراع أوسع على مستقبل القيادة التكنولوجية في العالم، ولذلك تعمل على تقليل الاعتماد الخارجي وبناء قدرات صناعية محلية متقدمة.

في المحصلة، تتحرك الصين ضمن رؤية تعتبر أن المرحلة المقبلة لن تُدار بمنطق الهيمنة الأحادية، بل عبر شراكات كبرى يكون فيها الاقتصاد والتكنولوجيا هما محور القرار العالمي، وأن العلاقة مع الولايات المتحدة ليست علاقة صراع صفري، بل علاقة شراكة ضرورية في إدارة النظام الدولي القادم.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك