بقلم السيّد حيدر الأمين – خاص بوابة بيروت
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾
في كل عام، حين تقترب عاشوراء، تمتلئ المجالس بالدموع، وترتفع الأصوات بالمراثي، وتعود إلى الذاكرة صور البطولة والتضحية والفداء. لكنّ عاشوراء ليست مناسبةً للبكاء على الماضي فقط، بل دعوةٌ دائمة إلى محاسبة النفس، ومراجعة المواقف، والتفتيش في أعماق الضمير.
ومن بين المشاهد التي تقف أمام الإنسان طويلًا، مشهدٌ يكاد يكون أكثر إيلامًا من السيف نفسه، وأكثر وجعًا من لحظة الشهادة ذاتها: مشهد مسلم بن عقيل في الكوفة. لقد دخل مسلم الكوفة سفيرًا للإمام الحسين عليه السلام، حاملاً رسالة الحق والأمل. استقبله الناس بالترحيب، وأعلنوا له البيعة، وامتلأت المجالس بالوعود. كان يبدو أن الطريق ممهّد، وأن القلوب قد اجتمعت على نصرة الحق.
لكنّ الأيام كشفت حقيقةً أخرى. كان الناس يلتفون حول مسلم ما دام الوقوف معه لا يكلّف شيئًا. أما حين أصبح للحق ثمن، وللموقف تبعات، وللوفاء كلفة، بدأ المشهد يتغير شيئًا فشيئًا. ويُروى أن الآلاف صلّوا خلفه، لكنّ القليل منهم بقي معه ساعة الامتحان.
هنا تقف الروح متسائلة، كيف يمكن لإنسان أن يصلّي خلف رجلٍ ثم يتركه وحيدًا؟ كيف تجتمع الصلاة مع الخذلان؟ وكيف يلتقي الدعاء مع الغدر؟
إنّ المأساة لم تكن في قلّة المصلين، بل في قلّة الأوفياء. فليس كل من وقف في الصف كان ثابتًا في الموقف، وليس كل من رفع صوته بالشعار كان مستعدًا لتحمّل تبعاته.
وهنا تكمن العبرة الخالدة. فالكوفة ليست مدينةً انتهت في صفحات التاريخ، بل حالة إنسانية تتكرر كلما غلبت المصلحة على المبدأ، والخوف على الحقيقة، والراحة على الواجب. الكوفة تولد من جديد حين يُترك المظلوم وحده. وتولد من جديد حين يسكت الناس عن الحق لأنهم يخشون خسارة مكسب أو مكانة أو منفعة. وتولد من جديد حين تتحول القيم إلى شعارات، والشعارات إلى مواسم، والمواسم إلى عادات خالية من الروح.
ولعل أخطر ما في مأساة مسلم بن عقيل أنها تكشف الفجوة بين التدين والالتزام الأخلاقي.
فالصلاة وحدها لا تصنع الوفاء.
والدموع وحدها لا تصنع الشجاعة.
والكلمات وحدها لا تصنع الرجال.
إنما الذي يصنع الإنسان حقًّا هو الثبات عندما يصبح الثبات مكلفًا، والصدق عندما يصبح الصدق مؤلمًا، والوفاء عندما يصبح الوفاء مخاطرة. من السهل أن نقف مع الحق حين يكون منتصرًا. ومن السهل أن نهتف للمظلوم حين لا يترتب على ذلك ثمن. لكن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما يصبح الحق غريبًا، ويصبح صاحب المبدأ وحيدًا، ويصبح الصمت أكثر أمانًا من الكلام. هناك يُعرف الرجال. وهناك تتمايز القلوب.
وعاشوراء، في جوهرها، ليست سؤالًا عن الماضي بقدر ما هي سؤال عن الحاضر. ليست فقط: من قتل الإمام الحسين عليه السلام؟
وليست فقط، من خذل مسلم بن عقيل؟ بل هي سؤال يوجّه إلى كل واحد منا: لو كنّا هناك… أين كنّا سنقف؟ هل كنّا سنبقى بعد أن تنفضّ الجموع؟ هل كنّا سنثبت حين يخاف الناس؟ هل كنّا سنحفظ العهد إذا تغيّرت الظروف؟ أم كنّا سنبحث لأنفسنا عن عذرٍ يريح الضمير ويبرّر التراجع؟
إنّ أعظم ما يحتاجه الإنسان في هذا الزمن ليس كثرة الشعارات، بل صدق المواقف. وليس كثرة الكلام عن الوفاء، بل ممارسة الوفاء. وليس ادعاء محبة الإمام الحسين وأهل بيته، بل السير على نهجهم في الصدق والعدل والثبات.
يا مسلم بن عقيل… ما زال مشهد غربتك يوقظ الضمائر. وما زالت خطواتك الوحيدة في أزقة الكوفة تسأل البشرية كلها سؤالًا لم يُجب عنه بعد: كم من الناس يقفون مع الحق؟ وكم منهم يبقون معه حين يصبح الطريق موحشًا؟
السلام على مسلم بن عقيل يوم ثبت، ويوم خُذل، ويوم استشهد. والسلام على كل قلبٍ اختار الوفاء في زمن التقلّب، والصدق في زمن المساومة، والثبات في زمن الانفضاض. والسلام على الإمام الحسين، وعلى أهل بيت الحسين، وعلى كل من سار على دربهم فلم يبدّل ولم يغيّر.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير