إلى الشعب اللبناني … أنتم أصحاب هذا الوطن

خاص بوابة بيروت

منذ سنوات، ولبنان ينحدر من أزمة إلى كارثة، ومن انهيار إلى انهيار أشد قسوة. انهارت العملة، وتبخر الاقتصاد، وضاعت أحلام أجيال كاملة، واحتُجزت ودائع اللبنانيين التي جمعوها بعرق السنين، فيما تحوّلت الدولة إلى مؤسسة عاجزة عن حماية أبسط حقوق مواطنيها.
ومع كل ذلك … لا يزال المشهد الأكثر إثارة للاستغراب هو صمت الشعب.

نعم، الصمت.

وكأن ما يجري أصبح أمراً عادياً. وكأن فقدان مدخرات العمر أصبح قدراً لا يمكن تغييره. وكأن انهيار الدولة، وهجرة الشباب، وغياب العدالة، وانعدام الرؤية الوطنية، كلها تفاصيل يمكن التعايش معها.

السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس فقط: ماذا فعل السياسيون بلبنان؟

بل السؤال الأكبر هو: ماذا فعل اللبنانيون لحماية لبنان؟

هل يكفي أن نكتب منشوراً غاضباً على وسائل التواصل الاجتماعي ثم نغلق هواتفنا ونعود إلى حياتنا؟ هل أصبحت “الإعجابات” و”المشاركات” بديلاً عن المواطنة؟ وهل تحوّلت الشكوى اليومية إلى وسيلة لتبرئة ضمائرنا من أي مسؤولية؟

إن الشعوب لا تبني أوطانها بالتعليقات الإلكترونية، ولا تستعيد حقوقها بمجرد تداول الأخبار، ولا تفرض الإصلاح عبر التغريدات. التاريخ لم يكتب يوماً أن دولة نهضت لأن شعبها اكتفى بالمراقبة من بعيد.

في كل دول العالم، عندما تصل الأزمات إلى هذا المستوى، تتحرك الشعوب ضمن الأطر القانونية والدستورية للمطالبة بالمحاسبة، والإصلاح، وتغيير السياسات، وفرض معايير جديدة للحكم. أما في لبنان، فقد أصبح المواطن يتابع انهيار وطنه كما يتابع فيلماً يعرف نهايته، لكنه يرفض مغادرة مقعد المشاهد.

قد يقول البعض إن الشعب تعب. وهذا صحيح.

وقد يقول آخرون إن الناس فقدوا الأمل. وهذا مفهوم.
لكن التعب لا يعني الاستسلام، وفقدان الأمل لا يعني التخلي عن الواجب الوطني. فالأوطان لا تُنقذها المشاعر، بل الإرادة، والعمل المنظم، والمطالبة المستمرة بالحقوق، والمشاركة الفاعلة في صناعة المستقبل.

لقد نجح جزء كبير من الطبقة السياسية في إقناع اللبناني بأن لا شيء سيتغير، وأن جميع المحاولات عبثية، وأن الفساد أقوى من أي إصلاح. والخطر الحقيقي أن كثيرين صدقوا هذه الرواية، فاختاروا الانسحاب بدلاً من المواجهة المدنية، واليأس بدلاً من المبادرة، والصمت بدلاً من المحاسبة.

لكن الحقيقة مختلفة.

فأي سلطة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تستمر إلى الأبد إذا واجهت مجتمعاً واعياً، منظّماً، يطالب بحقوقه ضمن القانون، ويرفض أن يتحوّل إلى مجرد متفرج على انهيار وطنه.

إن لبنان اليوم لا يحتاج فقط إلى إصلاح اقتصادي، ولا إلى إعادة هيكلة مالية، ولا إلى خطط إنقاذ تقنية، بل يحتاج قبل كل شيء إلى استيقاظ وطني.

استيقاظ يعيد تعريف معنى المواطنة.

استيقاظ يجعل المواطن يسأل كل مسؤول: ماذا أنجزت؟ أين ذهبت أموال الناس؟ لماذا ضاعت الودائع؟ لماذا لم تُحاسَب الجهات المسؤولة؟ لماذا لا توجد رؤية وطنية واضحة لإعادة بناء الدولة؟ ولماذا يستمر الفشل وكأنه سياسة رسمية؟

فالمشكلة لم تعد فقط في من يحكم، بل أيضاً في غياب الضغط الشعبي المنظم الذي يفرض على من يحكم أن يعمل وفق معايير الدولة الحديثة.

إن السكوت الطويل لا يحمي الأوطان، بل يمنح الفشل وقتاً إضافياً. والصمت لا يحفظ الحقوق، بل يفتح الباب أمام ضياع المزيد منها. أما اللامبالاة، فهي أخطر من الفساد نفسه، لأنها تسمح له بأن يصبح أمراً طبيعياً.

أيها اللبنانيون … أنتم أصحاب هذا الوطن، وأنتم أصحاب الحق الأول فيه. لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن دوركم ينتهي عند صندوق الاقتراع أو عند كتابة تعليق على وسائل التواصل الاجتماعي. المواطنة مسؤولية مستمرة، تبدأ بالمحاسبة، وتستمر بالمطالبة بالإصلاح، وتنتهي ببناء دولة تستحقها الأجيال القادمة.

فاسألوا أنفسكم اليوم، بكل صدق: إذا بقي الشعب صامتاً … فمن سيطالب بحقوقه؟

وإذا بقي الشعب مراقباً … فمن سيبني الدولة؟

وإذا استمر الجميع في انتظار أن يتحرك الآخرون … فمتى سيبدأ إنقاذ لبنان؟

لقد آن الأوان لأن ينتقل اللبناني من موقع المتفرج إلى موقع المواطن، ومن ثقافة الانتظار إلى ثقافة المبادرة، ومن الاستسلام للواقع إلى الإيمان بأن الدول لا تتغير بالصدفة، بل بإرادة شعوبها.

فالتاريخ لا يذكر الذين شاهدوا أوطانهم تنهار بصمت … بل يذكر الذين قرروا أن مسؤولية إنقاذ الوطن تبدأ منهم.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك