هَلِ انْتَهَتِ الصِّيغَةُ اللُّبْنانِيَّةُ؟ نَحْوَ عَقْدٍ وَطَنِيٍّ جَدِيدٍ

خاص بوابة بيروت

مُنْذُ الاستقلالِ عامَ ١٩٤٣، قامَ النِّظامُ السِّياسيُّ اللُّبنانيُّ على مُعادَلَةِ التَّوازُناتِ الطَّائفيَّةِ الَّتي عُرِفَتْ لاحقًا بـ«الدِّيمقراطيَّةِ التَّوافُقيَّةِ». وقد نجحَتْ هذهِ الصِّيغَةُ، في مَراحِلَ مُعَيَّنَةٍ، في احتواءِ الأزماتِ وتأمينِ الحدِّ الأدنى مِنَ الاستقرارِ، إلَّا أنَّها عجزَتْ عن بناءِ دولةٍ قويَّةٍ قادِرَةٍ على فرضِ سيادَتِها، وترسيخِ مبدأِ المواطنةِ، وإدارةِ الاختلافاتِ ضمنَ مؤسَّساتٍ دستوريَّةٍ فاعِلَةٍ.

واليومَ، وبعدَ عقودٍ مِنَ الأزماتِ المُتراكِمَةِ، وبعدَ الانهيارِ الماليِّ غيرِ المسبوقِ، وما خلَّفَتْهُ الحربُ الأخيرةُ مِنْ خسائرَ بشريَّةٍ واقتصاديَّةٍ وعُمرانيَّةٍ، يفرِضُ سؤالٌ نفسَهُ بإلحاحٍ: هل ما زالَتِ الصِّيغَةُ الَّتي حكمَتْ لُبنانَ طوالَ ثمانيةِ عقودٍ قادِرَةً على الاستمرارِ، أمْ أنَّ البلادَ باتَتْ بحاجةٍ إلى عقدٍ وطنيٍّ جديدٍ يُعالِجُ أسبابَ الأزمةِ مِنْ جُذورِها؟

الدَّوْلَةُ بَيْنَ الشَّرْعِيَّةِ وَازْدِواجِيَّةِ القَرارِ

لا يُمْكِنُ مُقارَبَةُ الأَزْمَةِ اللُّبْنانِيَّةِ مِنْ دُونِ التَّوَقُّفِ عِنْدَ مَسْأَلَةِ السِّلاحِ الخارِجِ عَنْ إِطارِ الدَّوْلَةِ، بِوَصْفِها إِحْدَى أَكْثَرِ القَضايا تَأْثيرًا في بِنْيَةِ النِّظامِ السِّياسِيِّ. فَمُنْذُ سَنَواتٍ، أَدَّى وُجودُ قَرارٍ عَسْكَرِيٍّ وَأَمْنِيٍّ مُوازٍ لِمُؤَسَّساتِ الدَّوْلَةِ إِلى تَعْقيدِ الحَياةِ السِّياسِيَّةِ، وَإِضْعافِ قُدْرَةِ المُؤَسَّساتِ الدُّسْتُورِيَّةِ عَلى مُمارَسَةِ صَلاحِيَّاتِها الكامِلَةِ.

وَيَرَى فَرِيقٌ واسِعٌ مِنَ اللُّبْنانِيِّينَ أَنَّ أَيَّ مَشْرُوعٍ لِبِناءِ الدَّوْلَةِ لا يُمْكِنُ أَنْ يَنْجَحَ ما لَمْ تُحْصَرْ مَسْؤُولِيَّةُ الدِّفاعِ وَالأَمْنِ بِالمُؤَسَّساتِ الشَّرْعِيَّةِ وَحْدَها، بِاعْتِبارِ أَنَّ وَحْدَةَ القَرارِ الأَمْنِيِّ وَالعَسْكَرِيِّ تُشَكِّلُ أَحَدَ الأُسُسِ الطَّبِيعِيَّةِ لِأَيِّ دَوْلَةٍ ذاتِ سِيادَةٍ.

وَفِي المُقابِلِ، أَدَّى اسْتِمْرارُ الانْقِساماتِ حَوْلَ هذِهِ القَضِيَّةِ إِلى شَلَلٍ سِياسِيٍّ مُتَكَرِّرٍ، وَتَعْطِيلٍ لِلِاسْتِحْقاقاتِ الدُّسْتُورِيَّةِ، وَإِبْطاءِ مَسارِ الإِصْلاحاتِ الاقْتِصادِيَّةِ وَالإِدارِيَّةِ، مِمَّا جَعَلَ النِّظامَ اللُّبْنانِيَّ يَبْدُو عاجِزًا عَنْ إِنْتاجِ حُلُولٍ مُسْتَدامَةٍ لِأَزَماتِهِ المُتَلاحِقَةِ.

الفِيدِرالِيَّةُ… بَيْنَ الهَواجِسِ وَالطَّرُوحاتِ

مَعَ تَعَثُّرِ الدَّوْلَةِ المَرْكَزِيَّةِ، عادَ الحَديثُ مُجَدَّدًا عَنِ الفِيدِرالِيَّةِ أَوِ اللَّامَرْكَزِيَّةِ الإِدارِيَّةِ وَالمالِيَّةِ المُوَسَّعَةِ كَأَحَدِ الخِياراتِ المَطْرُوحَةِ لِإِعادَةِ تَنْظِيمِ العَلاقَةِ بَيْنَ السُّلْطَةِ المَرْكَزِيَّةِ وَالمَناطِقِ.

وَيَعْتَبِرُ مُؤَيِّدُو هٰذا الطَّرْحِ أَنَّ الفِيدِرالِيَّةَ لا تَعْنِي تَقْسِيمَ لُبْنانَ، بَلْ تَهْدِفُ إِلى تَوْزِيعِ الصَّلاحِيَّاتِ، وَتَعْزِيزِ الإِدارَةِ المَحَلِّيَّةِ، وَتَمْكِينِ المَناطِقِ مِنْ إِدارَةِ شُؤُونِها التَّنْمَوِيَّةِ وَالاقْتِصادِيَّةِ، بَعِيدًا عَنِ البِيرُوقْراطِيَّةِ المَرْكَزِيَّةِ.
فِي المُقابِلِ، يَخْشَى مُعارِضُو الفِيدِرالِيَّةِ مِنْ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلى مُقَدِّمَةٍ لِتَكْرِيسِ الانْقِسامِ السِّياسِيِّ وَالطَّائِفِيِّ، مِمَّا يَجْعَلُ هٰذا المِلَفَّ مِنْ أَكْثَرِ المِلَفَّاتِ حَسَّاسِيَّةً فِي أَيِّ نِقاشٍ حَوْلَ مُسْتَقْبَلِ النِّظامِ اللُّبْنانِيِّ.

الشَّبابُ… بَيْنَ الهِجْرَةِ وَصِناعَةِ المُسْتَقْبَلِ

رُبَّما تَكُونُ الهِجْرَةُ الجَماعِيَّةُ لِلشَّبابِ اللُّبْنانِيِّ مِنْ أَخْطَرِ نَتائِجِ الانْهِيارِ الَّذِي تَشْهَدُهُ البِلادُ. فَلُبْنانُ لا يَخْسَرُ أَبْناءَهُ بِسَبَبِ نَقْصِ الكَفاءاتِ أَوْ ضَعْفِ الإِمْكاناتِ، بَلْ نَتِيجَةَ غِيابِ بِيئَةٍ سِياسِيَّةٍ وَاقْتِصادِيَّةٍ تُتِيحُ لَهُمْ بِناءَ مُسْتَقْبَلِهِمْ داخِلَ وَطَنِهِمْ.

لَقَدْ أَفْرَغَتِ الأَزَماتُ المُتَلاحِقَةُ الجامِعاتِ وَالمُؤَسَّساتِ مِنْ طاقاتِها الشَّابَّةِ، وَتَحَوَّلَتِ الهِجْرَةُ إِلى الخِيارِ الأَكْثَرِ واقِعِيَّةً بِالنِّسْبَةِ لِآلافِ الخِرِّيجِينَ.

وَأَيُّ مَشْرُوعٍ إِصْلاحِيٍّ لا يَضَعُ الشَّبابَ فِي قَلْبِ عَمَلِيَّةِ إِعادَةِ بِناءِ الاقْتِصادِ وَالإِدارَةِ وَالحَياةِ السِّياسِيَّةِ، سَيَبْقَى مَشْرُوعًا ناقِصًا، لِأَنَّ مُسْتَقْبَلَ الدَّوْلَةِ لا يُبْنَى بِالنُّخَبِ التَّقْلِيدِيَّةِ وَحْدَها، بَلْ بِالأَجْيالِ القادِرَةِ عَلى إِنْتاجِ أَفْكارٍ جَدِيدَةٍ وَإِدارَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.

هَلْ حانَ وَقْتُ مُراجَعَةِ النِّظامِ؟

لَطالَما ارْتَبَطَ الحَديثُ عَنْ تَعْدِيلِ النِّظامِ السِّياسِيِّ بِمَخاوِفَ مِنْ فَتْحِ أَبْوابِ الانْقِسامِ الدَّاخِلِيِّ، إِلَّا أَنَّ الواقِعَ الحالِيَّ يَفْرِضُ نِقاشًا وَطَنِيًّا هادِئًا وَمَسْؤولًا حَوْلَ مَدَى قُدْرَةِ الصِّيغَةِ القائِمَةِ عَلَى الاسْتِمْرارِ.

فَإِعادَةُ النَّظَرِ فِي آلِيَّاتِ الحُكْمِ لا تَعْنِي بِالضَّرورَةِ إِسْقاطَ اتِّفاقِ الطَّائِفِ أَوْ تَقْوِيضَ وَحْدَةِ البِلادِ، بَلْ قَدْ تُشَكِّلُ فُرْصَةً لِتَطْوِيرِ المُؤَسَّساتِ الدُّسْتُورِيَّةِ، وَتَعْزِيزِ مَبْدَإِ المُواطَنَةِ، وَتَحْسِينِ كَفاءَةِ الإِدارَةِ العامَّةِ، بِما يُواكِبُ التَّحَوُّلاتِ الَّتِي شَهِدَها لُبْنانُ وَالمِنْطَقَةُ خِلالَ العُقُودِ الماضِيَةِ.

نَحْوَ عَقْدٍ وَطَنِيٍّ جَدِيدٍ

يَقِفُ لُبْنانُ اليَوْمَ أَمامَ تَحَدٍّ وُجودِيٍّ يَتَجاوَزُ حُدودَ الأَزَماتِ الاقْتِصادِيَّةِ وَالمالِيَّةِ. فَالْمَسْأَلَةُ لَمْ تَعُدْ تَقْتَصِرُ عَلى تَشْكِيلِ حُكُومَةٍ، أَوِ انْتِخابِ رَئِيسٍ، أَوْ إِقْرارِ إِصْلاحاتٍ مالِيَّةٍ، بَلْ باتَتْ تَتَعَلَّقُ بِشَكْلِ الدَّوْلَةِ نَفْسِها، وَبِقُدْرَتِها عَلى اسْتِعادَةِ ثِقَةِ مُواطِنِيها وَالْمُجْتَمَعِ الدُّوَلِيِّ.

إِنَّ أَيَّ مَسارٍ إِنْقاذِيٍّ جِدِّيٍّ يَقْتَضِي حِوارًا وَطَنِيًّا صَرِيحًا حَوْلَ جُمْلَةٍ مِنَ القَضايا الأَساسِيَّةِ، وَفِي مُقَدِّمَتِها حَصْرِيَّةُ السِّلاحِ بِيَدِ الدَّوْلَةِ، وَتَطْوِيرُ نِظامِ الإِدارَةِ بِما يُحَقِّقُ إِنْماءً مُتَوازِنًا، وَتَعْزِيزُ مَفْهُومِ المُواطَنَةِ، وَإِطْلاقُ إِصْلاحاتٍ سِياسِيَّةٍ وَاقْتِصادِيَّةٍ تُعِيدُ الِاعْتِبارَ لِمُؤَسَّساتِ الدَّوْلَةِ.

فَالدُّوَلُ لا تُبْنَى بِتَوازُناتِ القُوَّةِ، بَلْ بِسِيادَةِ القانُونِ، وَلا تَسْتَمِرُّ بِالتَّسْوِيَاتِ المُؤَقَّتَةِ، بَلْ بِعَقْدٍ اجْتِماعِيٍّ يَحْظَى بِثِقَةِ المُواطِنِينَ جَمِيعًا. وَبَيْنَ الإِبْقاءِ عَلى واقِعٍ أَثْبَتَ عَجْزَهُ، أَوِ الشُّرُوعِ فِي مُراجَعَةٍ وَطَنِيَّةٍ شامِلَةٍ، يَبْقَى القَرارُ مَسْؤُولِيَّةَ اللُّبْنانِيِّينَ أَنْفُسِهِمْ، لِأَنَّ مُسْتَقْبَلَ الدَّوْلَةِ لا يُصْنَعُ إِلَّا بِإِرادَةِ أَبْنائِها.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك