حين يعزف #التاريخ موسيقاه… علينا أن نصغي إلى ما وراء اللحن…

بقلم خلود وتار قاسم

@kholoudwk

قبل ست سنوات، وفي واحدة من أجمل الليالي التي عاشها اللبنانيون، عادت الموسيقى إلى قلعة بعلبك. كان المشهد يليق بتاريخ هذا الوطن؛ أعمدة شامخة، أوركسترا تعزف بإتقان، وإخراج بصري يكاد يقنعك بأن لبنان أقوى من كل ما مرّ عليه. يومها، لم أستطع أن أشارك الناس حماسهم بالكامل. لم يكن السبب رفضًا للفرح، ولا تشاؤمًا، بل لأنني شعرت بتناقض لم أستطع تفسيره. كلما ازداد المشهد جمالًا، ازداد قلقي. وكأنني كنت أشاهد سفينة “تيتانيك”… الموسيقى تعلو، فيما البحر بدأ يبتلعها بصمت.

كتبت يومها ما شعرت به، ثم مضت الأيام، ولم أعد إلى ذلك المنشور إلا بعد سنوات. لا لأنني كنت أبحث عن دليل على أن إحساسي كان صحيحًا، فالمستقبل لا يملكه أحد، وإنما لأنني بدأت أرى أن ما حدث بعد تلك الليلة لم يكن سلسلة مصادفات، بل سلسلة مؤشرات لم نحسن قراءتها. انفجار دمّر قلب بيروت، وانهيار مالي صادر أعمار الناس قبل مدخراتهم، ومؤسسات تهاوت، وعدوان يتكرر على أرضنا فيقتل شبابنا ويهجّر أهلنا ويحرق أرضنا، وبلد يعيش منذ سنوات على وقع الأزمات، وكأننا ننتقل من صدمة إلى أخرى من دون أن نملك الوقت لفهم الأولى.

عندها بدأت أطرح على نفسي سؤالًا مختلفًا: هل تُفاجئنا الكوارث فعلًا، أم أننا لا نقرأ الطريق التي تقود إليها؟

في السياسة، كما في حياة الشعوب، لا يحدث شيء من العدم. الحروب لا تبدأ يوم إطلاق النار، والانهيارات لا تبدأ يوم إعلان الإفلاس، وسقوط الدول لا يبدأ يوم تتعطل مؤسساتها. كل ذلك يكون قد بدأ قبل سنوات، في مؤشرات صغيرة، متناثرة، لا يلتفت إليها أحد لأنها لا تصنع عناوين الأخبار.

وربما هنا تكمن إحدى أخطر إشكاليات سايكولوجية المجتمعات. فالإنسان، عندما يعيش تحت ضغط مستمر، يبحث غريزيًا عن أي مساحة تمنحه الطمأنينة. والمجتمع يفعل الشيء نفسه. يتعلق بصورة جميلة، أو احتفال، أو إنجاز رمزي، لأنه يحتاج إلى أن يصدق أن الأمور ما زالت بخير. هذه حاجة إنسانية لا يمكن لوم الناس عليها، لكنها تصبح خطيرة عندما تتحول الصورة إلى حجاب يحجب الواقع، وعندما يصبح الأمل بديلاً عن الوعي، لا رفيقًا له.

من هنا، أعتقد أن المعركة الحقيقية في عالمنا لم تعد معركة عسكرية فقط، ولا اقتصادية فقط، بل أصبحت معركة على الإدراك. من ينجح في توجيه وعي الناس، ينجح في توجيه ردود أفعالهم، وفي تحديد ما يرونه وما لا يرونه، وما يقلقهم وما يطمئنهم. ولذلك، لم تعد الصورة انعكاسًا للواقع دائمًا، بل قد تصبح جزءًا من صناعته، وقد تتحول، أحيانًا، إلى ستار يخفي تحولات تجري في العمق، بينما الجميع منشغل بما يحدث على السطح.

هذا لا يعني أن نفرّ من الفرح، ولا أن نستقبل كل مشهد جميل بالريبة. فالشعوب التي لا تفرح تموت أيضًا. لكن الفرح لا يجب أن يعفينا من التفكير، ولا أن يعطل قدرتنا على قراءة المؤشرات. فالوطن لا يُحمى بالمشاعر وحدها، وإنما بوعي يربط بين الأحداث، ويقرأ الاتجاهات، ويسأل دائمًا: ما الذي يتشكل في العمق بينما نحن ننظر إلى الواجهة؟

ربما لهذا السبب عدت إلى ذلك المنشور بعد ست سنوات. لا لأقول إنني توقعت، بل لأقول إن الأوطان التي لا تتعلم قراءة المؤشرات، ستبقى أسيرة المفاجآت. أما الأوطان التي تزرع في أبنائها وبناتها ثقافة التفكير، واستشراف المستقبل، وربط الأحداث ببعضها، فهي وحدها القادرة على تقليل مساحة الكارثة قبل أن تصبح واقعًا.

هذا ما تعلمته من تلك الليلة في بعلبك. لم يكن الدرس في الموسيقى، ولا في المهرجان، ولا حتى في الخوف الذي سكنني. كان الدرس أن التاريخ لا يقتحم الأبواب فجأة. إنه يرسل إشاراته بهدوء، ثم ينتظر من يملك الوعي الكافي ليفهم أن ما يبدو مشهدًا عابرًا، قد يكون بداية مرحلة جديدة…

إن أخطر ما تتقنه القوى الكبرى اليوم ليس صناعة الحروب، بل صناعة إدراك الشعوب للحروب، وأن حماية لبنان تبدأ من حماية وعي اللبنانيين، فمن سيقوم بهذه المهمة؟؟؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك