
كاتبة وناشطة سياسية
خاص بوابة بيروت
أعاد رئيس بلدية بيروت، المهندس إبراهيم زيدان، فتح أحد أكثر الملفات البيئية حساسية في العاصمة بعد جولة ميدانية مفاجئة داخل حرش بيروت، كشفت عن وجود كميات من مخلفات التشحيل والعوادم داخل الحرج، ما أثار تساؤلات حول مدى توافق هذه الممارسات مع القوانين البيئية وآليات إدارة هذا الموقع المحمي قانونًا.
ويأتي هذا الملف في وقت يواجه فيه حرش بيروت تحديات بيئية متزايدة، من بينها تراجع الغطاء النباتي، وإصابة مئات الأشجار بآفات وأمراض، وارتفاع المخاوف من خطر الحرائق خلال فصل الصيف.
ماذا كشف رئيس البلدية؟
بحسب ما أعلنه رئيس البلدية، أظهرت الجولة وجود مساحة داخل حرش بيروت تُستخدم لتجميع مخلفات التشحيل، بالإضافة إلى مخلفات يُشتبه بأنها نُقلت من خارج الحرج.
ونقل عن عدد من العمال أن استخدام الموقع تم بناءً على تعليمات إدارية، فيما أوضح الموظف البلدي محمد دوغان، بحسب ما ورد في التقرير، أنه ينفذ آلية عمل معتمدة بطلب من رئيسة دائرة الحدائق منى عماش وبالتنسيق مع مشروع تدعمه منظمة العمل الدولية (ILO).
وبحسب تصريحات رئيس البلدية، أكدت رئيسة دائرة الحدائق أن هذه الآلية متبعة منذ فترة، وأن المخلفات يتم فرمها لاحقًا داخل الموقع.
حتى الآن، لم يصدر عن دائرة الحدائق أو منظمة العمل الدولية بيان رسمي يوضح تفاصيل هذه الآلية أو الأساس الفني والقانوني الذي تستند إليه.
موقف شركة رامكو
في المقابل، نفت شركة رامكو إدخال النفايات إلى داخل حرش بيروت، مؤكدة أن دورها يقتصر على وضع الحاويات عند مدخل الحرج، وأنها لا تستخدم الموقع كمكان لتجميع النفايات.
كما أفادت الشركة بأن الشاحنة التي رُصدت خلال الجولة كانت تقوم بمهمة تشغيلية مرتبطة بالعمال، وليس بإدخال مخلفات إلى داخل الحرج.
وبذلك، تبقى رواية البلدية ورواية الشركة بحاجة إلى توثيق وتحقيق فني مستقل لتحديد الوقائع بدقة.
ما هو الدور الحقيقي للمشتل؟
يضم حرش بيروت مشتلًا بلديًا أُنشئ منذ سنوات لدعم أعمال التشجير وإنتاج الشتول والنباتات المستخدمة في الحدائق العامة.
ومن المعروف أن عمليات صيانة الغابات قد تتطلب جمع مخلفات التشحيل مؤقتًا تمهيدًا لتحويلها إلى رقائق خشبية أو سماد عضوي، وهي ممارسة متبعة في العديد من المدن إذا تمت وفق معايير بيئية واضحة.
إلا أن السؤال المطروح اليوم ليس حول وجود المشتل بحد ذاته، وإنما حول طبيعة المواد التي يتم تجميعها داخله:
* هل تقتصر على مخلفات ناتجة عن أعمال داخل حرش بيروت؟
* أم أنها تشمل مخلفات من مناطق أخرى في العاصمة؟
* وهل توجد موافقات رسمية وخطة إدارة بيئية تنظم هذه العملية؟
دور منظمة العمل الدولية (ILO)
تشير المعلومات المتوافرة إلى أن منظمة العمل الدولية نفذت خلال السنوات الماضية مشاريع لدعم بلدية بيروت في أعمال إعادة تأهيل المساحات العامة، وتأمين فرص عمل مؤقتة، وتحسين البيئة الحضرية.
إلا أنه، حتى تاريخ إعداد هذا التحقيق، لم يتوافر أي مستند رسمي منشور يبين أن المنظمة أجازت استخدام حرش بيروت كموقع دائم لتجميع مخلفات التشحيل، ما يجعل من الضروري توضيح طبيعة المشروع وحدود مسؤولية كل جهة مشاركة فيه.
الإطار القانوني
يحظى حرش بيروت بحماية خاصة بموجب القانون رقم 131 الصادر في 30 نيسان 2019، الذي يهدف إلى حماية العقار رقم 1925 في منطقة المزرعة والمحافظة على قيمته البيئية والتراثية، ومنع أي استعمال يتعارض مع أهداف الحماية.
كما تفرض القوانين البيئية اللبنانية مبادئ الإدارة المستدامة للمساحات الخضراء، بما يضمن عدم تحويلها إلى مواقع لتجميع النفايات أو المخلفات خارج الأطر الفنية المعتمدة.
هل فُتح تحقيق رسمي؟
حتى الآن، لم تعلن أي جهة رسمية عن:
* فتح تحقيق قضائي.
* تشكيل لجنة فنية مستقلة.
* صدور تقرير من وزارة البيئة.
* اتخاذ إجراءات إدارية بحق أي موظف أو جهة معنية.
وعليه، تبقى الوقائع المتداولة في إطار التصريحات المتبادلة، بانتظار استكمال التحقيقات الرسمية إن وجدت.
أسئلة تستحق الإجابة
يبقى هذا الملف مفتوحًا أمام عدد من الأسئلة الجوهرية:
* هل تسمح القوانين باستخدام أجزاء من حرش بيروت لتجميع مخلفات التشحيل؟
* ما هي الخطة البيئية المعتمدة لإدارة المشتل؟
* من اتخذ القرار الإداري باعتماد هذه الآلية؟
* هل يوجد تقييم للأثر البيئي؟
* ما هو الدور التنفيذي لكل من دائرة الحدائق، ومنظمة العمل الدولية، وشركة رامكو؟
* وهل تحتاج آليات إدارة حرش بيروت إلى مراجعة شاملة لضمان حماية هذا الإرث الطبيعي؟
خاتمة
بعيدًا عن تبادل الاتهامات، تبرز الحاجة إلى تحقيق إداري وفني مستقل يكشف الوقائع ويوضح المسؤوليات استنادًا إلى الوثائق والقانون، لا إلى الانطباعات أو التصريحات الإعلامية.
فحرش بيروت ليس مجرد مساحة خضراء، بل هو آخر رئة طبيعية للعاصمة، وحمايته مسؤولية مشتركة تقع على عاتق بلدية بيروت، والوزارات المختصة، والجهات الدولية الشريكة، والمجتمع المدني.
وحدها الشفافية والإدارة البيئية الرشيدة قادرتان على تعزيز ثقة المواطنين وضمان الحفاظ على هذا الإرث الوطني للأجيال القادمة.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير