إشكالية #الانتخابات بين التأجيل المشروط وثلاثية الترهيب والترغيب والتهميش

الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي

@DRMICHElCHAMMAI

أُقِرَّ تأجيل الانتخابات النيابية الثلاثاء 15 تموز 2025، عندما أقرّ مجلس النواب اللبناني قانونًا يقضي بتمديد ولاية المجلس النيابي لمدة سنتين، وبالتالي تأجيل الانتخابات النيابية التي كانت مقررة في ربيع 2026 إلى عام 2028. إلا أن هذا التأجيل لم يكن مطلقًا، بل جاء مشروطًا بوجود الأسباب التي فرضته.

وذلك استنادًا إلى اجتهاد سبق للمجلس الدستوري اللبناني، في مناسبات سابقة مرتبطة بتمديد ولاية المجلس، أن قرر مبدأ مهمًا مفاده أن: “التمديد لا يمكن أن يكون قاعدة، بل يجب أن يبقى استثناءً تفرضه ظروف قاهرة واستثنائية، وأن يكون محصورًا بالمدة الضرورية فقط”.

أي أنّ المجلس الدستوري لم يعتبر التمديد حقًا أصيلًا للمجلس النيابي، وإنما قبله – في بعض السوابق – بوصفه تدبيرًا استثنائيًا مرتبطًا بظروف قاهرة، لا يجوز تحويله إلى ممارسة سياسية عادية. وهذا يعني، من الناحية الدستورية والسياسية، أنه متى انتفت هذه الأسباب، يصبح المجلس النيابي ملزمًا بالالتئام لتحديد موعد جديد للاستحقاق الانتخابي.

لكن هنا تبرز الإشكالية الأساسية: هل يستطيع لبنان، في ظلّ الظروف الأمنية والسياسية الراهنة، أن يضمن بعد سنتين إجراء انتخابات حرّة ونزيهة؟ وهل يكفي مرور الزمن لإزالة الأسباب التي حالت دون إجرائها، أم أنّ جوهر الأزمة يكمن في البيئة السياسية والأمنية التي تتحكم بالعملية الديمقراطية؟

فالانتخابات لا تُقاس بموعدها الزمني فحسب، بل بقدرة الدولة على توفير مناخ يكفل حرية الناخب، ويمنع الترهيب، ويُغلق أبواب الترغيب، ويضع حدًّا للتهميش السياسي. ومن هنا، تبدو الأزمة اللبنانية محكومة بثلاثية ما زالت تتحكم بجزء كبير من الحياة السياسية، وهي: الترهيب، والترغيب، والتهميش.

أولًا: الترهيب… السلاح الذي يُصادر حرية الاقتراع

يظلّ الترهيب العقبة الأولى أمام أيّ استحقاق ديمقراطي حقيقي. فكيف يمكن الحديث عن انتخابات نزيهة في ظلّ استمرار السلاح غير الشرعي خارج سلطة الدولة؟

إنّ نزع هذا السلاح لا يزال، حتى اللحظة، المهمة الأكثر تعقيدًا أمام الدولة اللبنانية. ولا يعود ذلك إلى غياب الإرادة السياسية أو انعدام الرغبة لدى الحكومة، بل إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، أبرزها أن ما يُعرف بـ”الدولة العميقة” لا يزال يمسك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بمفاصل القرار داخل عدد من المؤسسات، من خلال نفوذ المحور الإيراني وأدواته.

وهذا النفوذ يعرقل تنفيذ القرارات التي تسعى الحكومة إلى تطبيقها، ويجعل الدولة عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة على أراضيها ومؤسساتها.

ومن هنا، يزداد الحديث عن احتمالات تدخلات خارجية تحت عناوين متعددة، قد يكون للإدارة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع دور فيها، وهو ما يفسّر، إلى حدّ بعيد، تكرار التصريحات الأميركية التي تدعو الدولة اللبنانية إلى تحمل مسؤولياتها.

لذلك، فإن تحرّك الدولة بصورة سريعة وحاسمة لم يعد خيارًا سياسيًا فحسب، بل أصبح ضرورة لمنع أي سيناريو قد يؤدي إلى فرض حلول خارجية على لبنان.

ثانيًا: الترغيب… المال الموازي الذي صنع اقتصادًا خارج الدولة

أما التاء الثانية فهي الترغيب، الذي لم يكن أقل تأثيرًا من الترهيب. فقد تدفق إلى لبنان، طوال سنوات، ما كان يُسمّى “المال النظيف”، وهو في الحقيقة أموال كانت تدخل برًّا وبحرًا وجوًّا خارج أي رقابة ماليّة أو مصرفيّة، حتى إنّ بعض الحقائب كانت تصل مفتوحة، في مشهد يعكس حجم الوقاحة في إدارة الاقتصاد الموازي.

وقد أسهم هذا الاقتصاد الرديف في ضرب الاقتصاد الوطني، لأنّه كان يعمل خارج النظام المالي العالمي وخارج الرقابة المصرفية اللبنانية، في وقت تورطت فيه بعض المؤسّسات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تسهيل عمليات غسل الأموال.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتدّ إلى اقتصاد التهريب بكلّ أشكاله؛ من تجارة الكبتاغون، إلى التهريب عبر الحدود اللبنانيّة ـ السورية، وصولًا إلى التهرب الجمركي والضريبي عبر بعض المرافق الشرعية، وفي مقدّمتها مطار بيروت، حيث كانت تدخل بضائع تحت عناوين مرتبطة بـ”المقاومة”، من دون أن تخضع للرسوم الجمركية أو الضرائب المستحقة للدولة.

وقد تحولت هذه المنظومة إلى باب استثماري للبيئة الحاضنة للمحور، فنقلت شريحة واسعة من الفقر المدقع إلى ثراء فاحش، وأصبحت هذه الأموال وسيلة لشراء الولاءات والذمم، فضلًا عن استغلال مؤسسات الدولة التي جرى الاستيلاء عليها وتطويعها لخدمة هذه البيئة، مستفيدة من الفساد الإداري الذي وفّر له السلاح غير الشرعي الحماية السياسية والأمنية.

ثالثًا: التهميش… إقصاء المعارضين وإضعاف التعددية

أما التاء الثالثة فهي التهميش.فقد عملت هذه المنظومة، بغطاء من منظمة حزب الله أو بالتنسيق معها، على تهميش كل من رفض الانخراط في منظومة الترغيب، أو امتنع عن قبول الأموال والخدمات التي كانت تُقدَّم مقابل الولاء السياسي.

كما تعرض للتهميش أولئك الذين لم يعودوا يخشون السلاح غير الشرعي، أو اختاروا مواجهة هيمنة الأمر الواقع، فحُرموا من فرص العمل، ومن المواقع الإدارية، ومن الخدمات العامة، ومن الحضور السياسي والإعلامي.

وهكذا لم يعد النفوذ قائمًا على القوة العسكرية وحدها، ولا على المال وحده، بل على منظومة متكاملة تجمع بين الترهيب والترغيب والتهميش، بما يؤدي إلى إضعاف التعددية السياسية وتشويه الإرادة الشعبية قبل وصول الناخب إلى صندوق الاقتراع.

رابعًا: الانتخابات ليست صندوق اقتراع فقط

إن السؤال الحقيقي لم يعد: متى ستُجرى الانتخابات النيابية؟ بل أصبح: هل ستكون الانتخابات المقبلة مختلفة عن سابقاتها؟
فالانتخابات ليست مجرد موعد دستوري، ولا مجرد صناديق اقتراع، بل هي منظومة متكاملة تبدأ باحتكار الدولة للسلاح، وتمر بإقامة اقتصاد شرعي شفاف، وتنتهي بضمان تكافؤ الفرص بين جميع اللبنانيين بعيدًا من الخوف والإغراء والإقصاء.

وإذا بقيت ثلاثية الترهيب والترغيب والتهميش تحكم الحياة السياسية، فإن أي انتخابات مقبلة، مهما كان موعدها، ستبقى عاجزة عن إنتاج سلطة تعبّر تعبيرًا حقيقيًا عن الإرادة الوطنية.

أما إذا نجحت الدولة في استعادة قرارها السيادي، وبناء مؤسساتها على قاعدة سيادة القانون والمساواة بين المواطنين، فإن الاستحقاق النيابي لن يكون مجرّد محطة انتخابية جديدة، بل بداية فعلية لإعادة تأسيس الجمهورية على أسس ديمقراطية سليمة، تعيد للبنانيين ثقتهم بالدولة وبقدرتهم على صناعة مستقبلهم عبر صندوق الاقتراع، لا عبر موازين القوة.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك