
كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني
اللعب بجثمان رجلٍ صار عبئًا على #التاريخ
بقلم نظام مير محمدي – خاص بوابة بيروت
بعد ثلاثة أيام من اللعب بجثمان خامنئي في طهران، ويوم آخر في قم، يُراد الآن نقل هذا الجثمان إلى العراق.
وما يقوم به نظام الملالي والحرس في هذه الأيام ليس مجرد مراسم عزاء أو تشييع ديني، بل عملية سياسية وإعلامية وأمنية تهدف إلى استخدام الجثمان لترميم صورة سلطة انهارت هيبتها في الداخل والمنطقة.
إنه إساءة إلى الشعب الإيراني، وإلى الشعب العراقي، وإلى تاريخ الإسلام والتشيع، إذ قلّما عرف التاريخ نظامًا حاكمًا يحاول توظيف جثمان بهذا الشكل المكشوف لخدمة أهداف سياسية.
أراد النظام أن يصنع من موت خامنئي مشهد وحدة وقوة ودعم جماهيري، لكن هذا العرض انقلب إلى ضده.
فالتناقض الواضح بين هذه الممارسات وأبسط التعاليم الدينية، إضافة إلى السجل الدموي لخامنئي، جعل من الجثمان عبئًا سياسيًا لا رمزًا جامعًا. وداخليًا، أراد النظام أن يجمع قواه المبعثرة والقلقة حول جثمان الولي الفقيه السابق، لكنه كشف بدل ذلك عمق التناقضات في قمة الحكم.
فغياب شخصيات أساسية وبعض أفراد عائلته، وبينهم مجتبى خامنئي، والهتافات التي استهدفت مسعود بزشكيان وعباس عراقجي، أظهرت أن جثمان خامنئي نفسه لم يستطع تغطية شقوق السلطة.
أما الأخطر والأكثر خروجًا عن المألوف السياسي والأخلاقي، فهو محاولة نقل هذا الجثمان إلى العراق، ولا سيما إلى النجف وكربلاء. هذا العمل يمثل إهانة للشعب العراقي، وبخاصة لأغلبية الشيعة في العراق.
فقد عبّر العراقيون في انتفاضة عام 2019 عن موقفهم الحقيقي من خامنئي حين ضربوا صورته بالأحذية، مؤكدين أنه في وعيهم ليس رمزًا دينيًا، بل رمزًا للهيمنة والتدخل والخيانة لقيم العراق الوطنية والدينية. وهم يعرفون أكثر من غيرهم كيف جُرح بلدهم بسياسات خامنئي وشبكاته التابعة.
إن نظام الملالي يريد استغلال العراق. فهذا هو النظام الذي حوّل الحرب العراقية ـ الإيرانية إلى حرب استنزاف استمرت ثماني سنوات، ودفع الشعبين الإيراني والعراقي إلى محرقة شعاراته الرجعية.
وبعد الاحتلال الأميركي للعراق، استغل فراغ السلطة، وفي ظل تفاهمات واصطفافات تكتيكية، مدّ نفوذه داخل العراق، وجعل أجزاء مهمة من القرار السياسي والأمني والاقتصادي رهينة لجماعات مسلحة وشبكات تابعة له.
واليوم يريد النظام نفسه أن يمرر جثمان خامنئي في مراقد أئمة الشيعة، مستغلًا المشاعر الدينية للعراقيين، ومستثمرًا في المشاعر العربية والعراقية المعادية لإسرائيل، لكي يقدم نفسه كقوة شعبية وإقليمية ما زالت قادرة على الحشد.
لكن الحقيقة أن خامنئي لم يكن صديقًا للعراق، ولا حاميًا للتشيع، ولا مدافعًا حقيقيًا عن فلسطين، ولا نصيرًا لشعوب المنطقة. لقد كان مهندسًا رئيسيًا لشبكة من الميليشيات التي أضعفت الدول، وشقّت المجتمعات، ونهبت الثروات، وأراقت الدماء في العراق ولبنان وسوريا واليمن.
في العراق، لعبت القوى التابعة له دورًا في قمع المتظاهرين، وتهديد الناشطين، وترهيب الصحافيين، ونهب المال العام، وإضعاف السيادة الوطنية. وما شهدته مدن عراقية من قتل وخطف وترهيب على يد هذه الشبكات يبقى من أكثر صفحات العراق الحديث ظلامًا.
هذا هو جرد الحساب الحقيقي لخامنئي مع المنطقة: في العراق، إضعاف السيادة ونهب الثروة الوطنية عبر شبكات النفوذ؛ في لبنان، بناء حزب الله كدولة فوق الدولة وسلاح خارج القانون؛ في سوريا، دعم بشار الأسد والمشاركة في القتل والتهجير؛ في اليمن، دعم الحوثيين وتحويل البلاد إلى ساحة حرب وتهديد للمنطقة؛ وداخل إيران، الإعدامات والسجون وقمع الانتفاضات والفقر والفساد ونهب ثروات الشعب.
هذه الجرائم لا تُغسل بجولة استعراضية بالجثمان. لا تابوت في النجف أو كربلاء يمكن أن يمحو الدماء التي أُريقت في بغداد والبصرة ودمشق وبيروت وصنعاء ومدن إيران.
يريد النظام أن يستخدم الرموز الشيعية، وفي مقدمتها مراقد الأئمة الذين يمثلون الحرية والعدالة والوقوف في وجه الظلم، لتلميع صورة أحد أبرز منتهكي حقوق الشعب الإيراني وشعوب المنطقة. وهذه ليست إساءة إلى العراقيين فحسب، بل إساءة إلى التشيع نفسه وإلى ضمير المنطقة.
كل هذا الاستعراض يهدف إلى تغطية ضعف النظام داخل إيران. ففي بلد لا يجد فيه كثير من الناس لقمة العيش، وتفتك به موجات الغلاء والتضخم، وتُسحق العائلات تحت ضغط الفقر والبطالة، ينفق النظام أموالًا هائلة على جولة الجثمان والدعاية الرسمية. أولويته ليست الشعب ولا الخبز ولا الحرية، بل بقاء السلطة. إنه يحاول تأجيل الأزمة الأصلية: انتفاضة الشعب، غضب الجماهير الجائعة، واتساع خطر الانفجار الاجتماعي.
وبالنسبة إلى نظام غارق في الأزمات، كل يوم بقاء يحتاج إلى خطة منفصلة؛ إنه لا يملك مستقبلًا، بل يشتري الوقت من أزمة إلى أخرى، بينما يعاني بعد غياب الولي الفقيه من أزمة رأس الحكم نفسها.
الحقيقة الصلبة هي أن الاختبار الأكبر للعراق في الخروج من منظومة الجريمة والنهب التي سيطرت على سنواته الأخيرة، يتمثل في أخذ مسافة حقيقية وجدية من إرث خامنئي المشين ومن امتداداته داخل العراق.
وإذا كانت هناك حكومة تدعي الدفاع عن مصالح العراقيين، فعليها أن تحاسب الذين نفذوا طوال هذه السنوات إرادة خامنئي وأدواته مثل قاسم سليماني وإسماعيل قاآني، ونهبوا سيادة العراق وثروته وكرامته وعزته.
من حق وواجب الشعب العراقي، ومثقفيه وكتابه وصحافيه وسياسييه المستقلين، أن يرفعوا الصوت ضد هذه الإهانة الكبرى.
لا ينبغي أن يتحول العراق إلى مسرح لجثمان رجل لعب دورًا مباشرًا في تخريب العراق والمنطقة. النجف وكربلاء ليستا ملكًا لنظام الملالي والحرس.
وهذه المراسم ليست علامة قوة ولا عزاءً حقيقيًا، بل اعتراف بالضعف والخوف والفشل؛ محاولة لإبقاء مشروع مهزوم حيًا بعد موت رأسه.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير