مَن يسأل الخلاص، يدّعي أنّه المُخلِّص
بقلم جايسون أنطون – خاص بوابة بيروت
بلغ النفاق ذروته. فقد صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يوم الأحد 5 تموز، في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، أن قرى مسيحية في لبنان طلبت من إسرائيل حمايتها من حزب الله.
وأضاف نتنياهو أن «بعض القرى المسيحية في لبنان طلبت حتى أن تُضمّ إلى إسرائيل، لأننا نحميها من المتطرفين في حزب الله الذين يريدون قتلها، ونحن نفعل الأمر نفسه مع المسيحيين في كل أنحاء العالم». ضمانة المسيحيين وغيرهم في لبنان هي الدّولة السيّدة. فمَن أوكل هؤلاء كلّهم للدّفاع عن المسيحيين؟ وهل المسيحيّون قاصرون في الدّفاع عن أنفسهم متى دقّ الخطر بابهم؟
نتنياهو لم يذكر أسماء هذه القرى، بحجة حمايتها من حزب الله، الأمر الذي يطرح علامات استفهام حول حقيقة هذه الادعاءات ومدى صدقيتها. إسرائيل، التي ما زالت تحتلّ ما يقارب 630 كيلومترًا مربعًا من جنوب لبنان، تقدّم نفسها كحامية للأقليات عمومًا، وبشكل خاص للمسيحيين في لبنان. لكن هذه الصورة التي تحاول رسمها تصطدم بواقع تاريخي وسياسي مختلف.
فقد رفض رئيس بلدية رميش، حنّا العميل، هذه التصريحات ونفى وجود أي تواصل مع إسرائيل. كما أصدرت 15 بلدة مسيحية في جنوب لبنان بيانًا مشتركًا نفت فيه تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، وأكدت تمسّكها بانتمائها إلى لبنان، وإلى علمه وسيادته الوطنية.
مسيحيو جنوب لبنان ليسوا غرباء عن هذه الأرض؛ هم متجذّرون فيها، في أرضٍ وطأها السيد المسيح، حيث جرت معجزة عرس قانا الجليل، أولى عجائبه. إنهم أبناء هذه الأرض الذين واجهوا خطرين: خطرًا داخليًا تمثّل بسياسات وسلاح دمّر لبنان في حروب خضعت لأجندات خارجية، وخطرًا خارجيًا يحاول اليوم تقديم نفسه كالحامي الوحيد للأقليات في الجنوب.
لقد وجد مسيحيو الجنوب أنفسهم مرة جديدة وسط حرب مع إسرائيل بسبب التصعيد الذي قام به حزب الله، بعد أن ردّ على الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران بإطلاق ستة صواريخ باتجاه إسرائيل. وهؤلاء الذين يدّعي نتنياهو أنهم طلبوا الحماية، هم أنفسهم الذين بقوا في أرضهم، متمسكين بإيمانهم بالله وانتمائهم لوطنهم.
بين عدو داخلي لم يخفِ في مراحل عديدة عداءه تجاه مسيحيي لبنان عمومًا، ومسيحيي الجنوب خصوصًا، حيث وُسِمَ أبناء هذه القرى الذين صمدوا في أرضهم بالخيانة والعمالة، وكأن البقاء في الوطن والدفاع عنه أصبح جريمة؛ وبين عدو خارجي يدّعي إنقاذ المسيحيين، بينما يحمل تاريخًا من المواجهات التي تسببت بدمار وخراب طال كنائس ورموزًا دينية وسقوط ضحايا من رجال الدين، وجد مسيحيو الجنوب أنفسهم يدفعون ثمن صراعات لم يصنعوها.
لكن من صمد في وجه الخطرين قادر على الصمود مرة أخرى، مؤمنًا بأن هذه المرة قد تكون الأخيرة. ومَن دافع عن وطنه وأرضه ليس قاصرًا اليوم عن الدّفاع متى ناداه الواجب الوطني فقط لذلك. إذا نسي أحد أنّ فخامة الرئيس الشهيد الشيخ بشير الجميّل هو الذي قال: ” هوجمنا كمسييحن ودافعنا كلبنانيين”. فما أبقاهم أقوياء وثابتين وأحرارًا في أرضهم هو إيمانهم بالدولة اللبنانية وبسيادتها، وليس الارتهان لأي مشروع خارجي.
ما هو مؤكد أن الفرق بين الدولة العبرية والمسيحيين في جنوب لبنان هو أن طرفًا ما زال ينتظر منقذًا ويدّعي أنه هو المنقذ، بينما الطرف الآخر يؤمن بمنقذه الحقيقي، الذي بذل نفسه من أجل شعبه وأرضه.
وللتوضيح، إنّ من صمد في وجه أقسى العواصف قادر على الصمود مرة أخرى. لكن الأمل اليوم أن تستعيد الدولة اللبنانية دورها، فتقوم بواجبها في إنهاء مصادر الخطر الحقيقي، وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وأن تستلهم من مسيحيي الجنوب معنى السيادة الحقيقية: شعب متمسّك بأرضه، مؤمن بوطنه، ورافض أن يكون تابعًا لأي مشروع خارج حدود الدولة.
نتنياهو ليس ساذجًا، وهو يدرك أن القرى المسيحية ستنفي هذه التصريحات. لكن السؤال يبقى: ما الرسالة التي يريد إيصالها من خلال هذه الادعاءات؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير