
مدير التحرير
الجمهورية الثالثة من روما
خاص بوابة بيروت
في 4 تشرين الثاني 1989 ولدت الجمهوريّة الثانية في وثيقة الوفاق الوطني في الطائف برعاية إقليميّة ودوليّة لتنهي الحرب في لبنان، بعدما عجزت الجمهوريّة الأولى عن ذلك. وفي 9 تشرين الثاني من العام نفسه سقط جدار برلين لأنّ النّظام الذي بناه قد سقط هو قبله.
.
فعندما عجز الشكل السياسي عن إدارة الواقع المستجدّ في النموذجين آنفًا ولدت الجمهوريّة الجديدة. وما أشبه اليوم بالأمس، ولكن الوقائع تختلف بعض الشيء. فالحرب هي مع إسرائيل سبّبها جزء من اللبنانيين النّاكرين لبنانيّتهم، معطوف عليها أزمة اقتصاديّة أدّت إلى الانهيار المالي بفعل حماية السلاح غير الشرعي لمنظومة الفساد بعد بناء عقد اجتماعي مبطّن بين المنظّمة والمنظومة لقاء السيطرة على الرّئاسة والدّولة. فتآكل العقد الوطني.
فالسؤال عن عمليّة إصلاح وتغيير في الجمهوريّة الثانية في ظلّ هذه المتغيّرات بات ساذجًا كطارحيه اليوم.
والجرأة الوطنيّة تحتّم طرح السؤال الآتي: ما هو الشكل السياسي الذي سيحكم الجمهورية الثالثة؟ ومن هنا، يصبح الانتقال إلى دولةٍ اتحاديةٍ حيادية، تحفظ وحدة الكيان وتُدير التعددية اللبنانية ضمن دستورٍ جامع، احتمالًا سياسيًا يفرضه منطق التاريخ أكثر ممّا تفرضه الشعارات. فهل تكون روما المحطة التي يبدأ منها هذا التحوّل؟
الجمهورية الثانية… نهاية تجربة
ما من عاقلٍ في لبنان إلّا ويدرك أنّ الجمهورية الثانية قد سقطت، لا بفعل عاملٍ واحد، بل نتيجة تجارب فاشلة أثبتت الوقائع العملية عجزها. فمن الأمن بالتراضي، إلى التوافقية التعطيلية، مرورًا بالنهب الاقتصادي الذي كوّن طبقةً من المستفيدين ذوي الثراء الفاحش، وليس انتهاءً بالسيطرة العسكرية على مفاصل الدولة التنفيذية بقوة السلاح غير الشرعي، والانحدار الاجتماعي الذي نتج عن هذه العوامل كلّها، حتى بات بعض اللبنانيين يستعطون لقمة الخبز على الطرقات.
ألم يأنِ الأوان لولادة الجمهورية الثالثة بعد؟ أم أنّنا سننتظر المزيد من الانهيارات الوطنية خوفًا من التغيير؟
إعادة تشكيل قوى التغيير
مَن يخفْ لا يُقدِم على شيء. ولأنّ التجارب السابقة لمحاولة التغيير قد سقطت، منذ عام 2019، في أتون السلطة من جديد، يخشى بعض اللبنانيين الإقدام مرةً أخرى خوفًا من السقوط.
لكن، وفقًا لبعض التسريبات الصحافية، يُتحدَّث عن إعادة تشكيل لهذه النخب من بوابةٍ إعلامية، حتى تصبح بدورها حزبًا فاعلًا، يقوم على الطاقة الشبابية، وقادرًا على خوض معركة التغيير من البوابة الانتخابية.
ويبدو أنّ هذه المجموعات قد اقتنعت بالمبدأ العلمي القائل إنّه لا حياة سياسية تستقيم إلا بوجود الأحزاب السياسية. ولعلّ ذلك دحض قناعاتٍ كثيرة بنت عليها هذه المجموعات رصيدها الجماهيري، وفي مقدّمها شعار: “كلّن يعني كلّن”. ولا يخفى على أحد أنّ مصادر تمويل هؤلاء باتت معلومةً للجميع، ولا سيما أنّ انتقادهم للمصرفيين وللمصارف قد اضمحلّ في الآونة الأخيرة.
روما… أكثر من مفاوضات
لكن ما يجب التنبّه إليه، في هذه المرحلة الدقيقة التي تعصف بوطننا لبنان، أنّ المناخ الجيوستراتيجي قد تغيّر، وبات أكثر مطواعيةً لأمواج التغيير. وهذا ما يؤكّد ولادة الجمهورية الثالثة، فيما يبقى دفن الثانية مؤجّلًا حتى لحظة إعلان هذا التغيير.
ومن المؤكد، بحسب بعض التسريبات الدبلوماسية، أنّ النقاش في روما – مع رمزيّة روما التي نوقش سايكس بيكو فيها – لن يقتصر على اتفاق الإطار وسبل تنفيذ بنوده فحسب، بل سيتعدّاه إلى إعادة صياغة للكيان اللبناني الجديد، بما يتماشى مع الدور الجديد المطلوب من لبنان أن يؤدّيه، بحكم العوامل الجيوبوليتيكية التي تحكم منطقة الشرق الأوسط. وهذه العوامل، بالتحديد، هي بوصلة مستقبل لبنان في هذه المنطقة.
الفدرالية… طرح المرحلة
لقد سقط الشكل السياسي للجمهورية الثانية بفعل التجارب، والبحث اليوم يتجه نحو شكلٍ جديد ينطلق من روح وثيقة الوفاق الوطني، القائمة على المناصفة المسيحية – الإسلامية، في لبنان بتعدديته الحضارية.
وهكذا، ستكون اللامركزية الموسعة إلى أبعد الحدود طرح المرحلة. ولا يخفى على أحد أنّ العلم قد أثبت أنّ النظام الفدرالي هو أكثر الأنظمة قدرةً على إدارة الاختلافات في البلدان التعددية المركّبة هجينيًّا.
ولعلّ هذا ما جعل من الطرح الفدرالي طرح المرحلة، إلا أنّ دونه عقباتٍ جوهرية، إذ يرفضه المكوّن السياسي في المكوّن الحضاري الشيعي، مع أنّه يطبّقه ويعيشه في بيئته كلّ لحظة. فهذه البيئة لها اقتصادها، وثقافتها، وسياحتها، وماليتها، وعسكرها، وكلّ ما تعيشه انطلاقًا من القناعات التي نجحت منظمة حزب الله في فرضها عليها بقوة السلاح غير الشرعي.
الاحتمالات المفتوحة
لكن، مع سقوط التنظيم وسلاحه، باعتقادي، فإنّ هذا المسار سيسلك الدرب القويمة نحو تطبيقه. وقد تكون جولة روما محطةً لوضع أسس انطلاقة هذا النظام في صلب الكيانية اللبنانية التي نعرفها جميعًا.
ويبقى أنّ التعنّت الذي يُمارَس من قبل منظمة حزب الله سيؤدي إلى طرحين لا ثالث بينهما:
الطرح الأول: خروج المكوّن الحضاري الشيعي من صلب الكيانية اللبنانية، وبالتالي سيبحث عن مقومات تحمي وجوده عبر الالتحاق بدولةٍ قوية. لكن، على ما يبدو، فإنّ حلم الانضمام إلى سوريا، الذي برز في 24 نيسان عام 1920 في مؤتمر وادي الحجير، قد سقط إلى غير رجعة مع الرئيس الشرع. إلّا إذا انضمّ هذا الجزء إلى غير سوريا ولبنان!
الطرح الثاني: الانتقال إلى كونفدرالية كبرى، تحكم كانتوناتها فدراليات صغرى. ويبدو هذا الطرح أكثر عقلانيةً في حال فشل الطرح الفدرالي.
الحياد… الوجه الآخر للجمهورية الثالثة
تبقى الإشكالية في تلازم مسار الحياد مع شكل الجمهورية الثالثة، أي صيغة الحياد التوافقي، الناشط والإيجابي.
ولا سيما بعد زيارة الشيباني إلى طرابلس، والتفاعل السني معه، وكذلك بعد التعاطف الشيعي الكبير مع مقتل الخامنئي، الذي تجلّى في مشاركة المكوّن الحضاري الشيعي في جنازته في إيران.
لكن، باعتقادي، فإنّ ذلك كلّه سيتبدّل مع سقوط موازين القوى المرجعية من بوابة روما، لتولد جمهورية ثالثة اتحادية – حيادية.
لا تقوم هذه الجمهورية على الدين أو على الطائفية السياسية، بل تكون فيها الطائفية هويةً ثقافيةً ليس أكثر، فتجسّد غنى التعددية اللبنانية.
وهذا النظام وحده كفيل بأن يؤمّن الحرية الكيانية للمكوّنات الحضارية، حتى تعيش قناعاتها في حيّزٍ جغرافي مستقل سياسيًا، ومتصل دستوريًا.
ومن ينتظر قطار الخوف ليمرّ عنه، فسيمرّ عليه لينهاهُ وينهيه !
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير