هل يستحق النواب إعادة انتخابهم؟ وكيف نبني دولة بقوانين تنتمي إلى زمن آخر؟

خاص بوابة بيروت

منذ عقود، يدخل إلى مجلس النواب اللبناني نواب جدد ويغادر آخرون، وتتغير الوجوه وتتبدل التحالفات، لكن السؤال الذي لم يجرؤ أحد على طرحه بجدية يبقى قائماً: ماذا أضاف المجلس التشريعي إلى مسيرة بناء الدولة؟ وأين هي حصيلة العمل التشريعي والرقابي التي يفترض أن تكون معياراً لتقييم أداء كل نائب قبل إعادة انتخابه؟

في الدول التي تحترم مؤسساتها، لا يُقاس نجاح النائب بعدد إطلالاته الإعلامية، ولا بخطاباته الشعبوية، ولا بقدرته على تأمين الخدمات والمحسوبيات، بل يُقاس بعدد القوانين التي بادر إلى إعدادها، وبجودة التشريعات التي ساهم في تطويرها، وبمدى ممارسته الفعلية لدوره الرقابي على السلطة التنفيذية، وبقدرته على مساءلة الحكومة وحماية المال العام والدفاع عن مصالح المواطنين.

أما في لبنان، فقد تحوّل العمل النيابي لدى شريحة واسعة من النواب إلى وظيفة سياسية موسمية، يغيب عنها التخطيط، وتفتقر إلى الرؤية، وتكاد تخلو من أي معايير مهنية يمكن من خلالها تقييم الأداء التشريعي الحقيقي. حتى العمل السياسي البرلماني لم يعد له وجود.

لقد انهارت الدولة، وانهار الاقتصاد، وتفككت المؤسسات، وضاعت مدخرات اللبنانيين، وهاجر مئات الآلاف من الشباب، فيما بقي مجلس النواب في كثير من الأحيان أسير الانقسامات السياسية والمصالح الضيقة، بدلاً من أن يتحول إلى ورشة تشريعية وطنية تعمل بصورة يومية لإنتاج الحلول ومواكبة التحولات التي يشهدها العالم.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: كم قانوناً أساسياً يحتاج لبنان إلى تحديث؟ وكم تشريعاً لا يزال يعود إلى عقود مضت ولم يعد يواكب الاقتصاد الرقمي، أو الذكاء الاصطناعي، أو الأمن السيبراني، أو الحوكمة الحديثة، أو إدارة الأزمات، أو حماية البيانات، أو الاقتصاد الأخضر، أو الاستثمار، أو التنافسية العالمية؟ وهل يمكن لدولة أن تدخل القرن الحادي والعشرين بعقلية تشريعية تنتمي إلى القرون الماضية؟

إن وظيفة النائب ليست انتظار مشاريع القوانين التي تحيلها الحكومة، بل المبادرة إلى إعداد التشريعات، والاستعانة بالخبراء، والجامعات، ومراكز الأبحاث، والنقابات، والقطاع الخاص، والاستفادة من أفضل الممارسات الدولية لإنتاج قوانين حديثة تضع لبنان على طريق الدولة العصرية.

لكن الواقع المؤلم يكشف أن المبادرات التشريعية النوعية لا تزال محدودة، وأن المجلس، في كثير من الأحيان، يتعامل مع الأزمات بعد وقوعها بدلاً من استباقها. وهذا يعني أن التشريع في لبنان أصبح في موقع رد الفعل، بينما يفترض أن يكون أداة لصناعة المستقبل.

ولا تقل خطورة عن ذلك مسؤولية الرقابة البرلمانية. فالدستور لم يمنح مجلس النواب سلطة التشريع فقط، بل منحه أيضاً سلطة مراقبة أداء الحكومة، ومساءلة الوزراء، وتقييم تنفيذ السياسات العامة، والتأكد من حسن إدارة المال العام. لكن أين هي الرقابة المنهجية؟ وأين هي تقارير الأداء؟ وأين هي مراجعة تنفيذ الخطط الحكومية؟ وأين هي مساءلة الوزراء عن المشاريع المتعثرة، وعن الهدر، وعن سوء الإدارة، وعن التأخير في تنفيذ الإصلاحات؟

إن الرقابة ليست مؤتمراً صحفياً، وليست تصريحاً إعلامياً، وليست منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي. الرقابة هي عمل مؤسساتي يعتمد على البيانات، والتحليل، والمتابعة، وقياس النتائج، ومحاسبة المقصرين، وإلزام الحكومة بتصحيح مسارها عندما تنحرف عن أهدافها.

الأخطر من كل ذلك هو غياب أي ثقافة لقياس أداء النواب أنفسهم. ففي معظم البرلمانات المتقدمة، يستطيع المواطن أن يعرف بدقة عدد الجلسات التي حضرها النائب، وعدد مشاريع القوانين التي قدمها، وعدد مداخلاته، وتقاريره، وأعمال لجانه، ومواقفه التصويتية، ومدى مساهمته في تطوير السياسات العامة. أما في لبنان، فإن إعادة انتخاب العديد من النواب لا تزال تقوم في كثير من الأحيان على الاعتبارات السياسية والطائفية والشخصية أكثر مما تقوم على تقييم موضوعي لأدائهم الدستوري.

إن الدولة الحديثة لا تُبنى بالنيات الحسنة، ولا بالشعارات، ولا بالخطابات. إنها تُبنى بمؤسسات تعمل وفق مؤشرات أداء واضحة، وبمسؤولين يخضعون للمساءلة، وببرلمان يعتبر نفسه مصنعاً للتشريعات الحديثة، وحارساً للمال العام، ورقيباً دائماً على السلطة التنفيذية.

لقد أصبح من الضروري أن يخضع كل نائب لمعايير واضحة لقياس أدائه، تشمل جودة المبادرات التشريعية، وفعالية الرقابة على الحكومة، والمشاركة في أعمال اللجان، والحضور، والتصويت، والتواصل مع المواطنين، والإسهام في تطوير السياسات الوطنية. فالنيابة ليست امتيازاً دائماً، بل مسؤولية وطنية قابلة للتقييم والمحاسبة.

إن لبنان لا يحتاج إلى مجلس نواب يكتفي بإدارة الأزمات، بل إلى مجلس يقود عملية الإصلاح الوطني، ويستشرف تحديات المستقبل، ويضع الأطر التشريعية التي تؤسس لدولة قادرة على المنافسة والنمو والاستقرار.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس من سيفوز في الانتخابات المقبلة، بل: هل نعرف أصلاً ما الذي يجب أن نطلبه من النائب الذي ننتخبه؟ وهل ننتخب مشرّعين يصنعون مستقبل الدولة، أم ننتخب ممثلين يكتفون بإدارة الواقع كما هو؟

عندما يصبح معيار اختيار النائب هو الكفاءة، والرؤية، والقدرة على التشريع، والخبرة في السياسات العامة، والالتزام بالمحاسبة، عندها فقط يمكن للبنان أن يبدأ رحلة الانتقال من دولة تعيش على ردود الأفعال إلى دولة تصنع مستقبلها بإرادة مؤسساتها وكفاءة قياداتها.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك