
مدير التحرير
الجمهورية الثالثة لا تُبنى على الأرصفة الدولية
الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي
@DRMICHElCHAMMAI
الأنظار معلّقة في روما والأيادي غرقى في دماء ودمار ودموع الجنوب اللبناني. فعلى ما يبدو أنّ الأروقة الرّومانيّة في العام 2026 تستعيد مشهديّة العام 1453 التاريخيّة، يوم كانت القسطنطينيّة تفاوض على الوقت فيما كان التّاريخ برمّته يتفاوض على مصيرها ومعه مصير مسيحيّي الشرق.
لذلك كانت روما في الماضي، وها هي تعود اليوم حيث يبدو أنّ التفاوض في روما برمزيّته سيكون على تثبيت الوجود المسيحي الحرّ في الشّرق منعًا لتكرار أخطاء التّاريخ. هذا ” اللبنان” الذي يتمّ التفاوض على وجوده. لكن تبقى الإشكاليّة في القرار، هل ولد في لبنان أم ما زال سينتظر الأروقة الرّومانيّة كما حدث منذ 573 سنة خلت؟
نستذكر مع قرّاء التاريخ كيف سقطت الجمهورية الرومانية. لم تسقط يوم عبر يوليوس قيصر نهر الروبيكون(Rubicon) ، الذي أصبح رمزًا على عدم التّراجع عندما كان عبور هذا النّهر تحدّيًا للقرار الروماني وإعلانًا للحرب الأهليّة، حيث عبر يوليوس قيصر هذا النّهر في العام 49 قبل الميلاد.
ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة:
“لقد أُلقيتِ النّرد “” Alea iacta est .
بل سقطت روما يوم فقد مجلس الشيوخ القدرة على اتخاذ القرار المستقلّ. ويوم صار القرار الروماني يتّخذ نتيجة لتوازنات الخارج؛ فأضحت المؤسسات الدّستوريّة مجرّد ديكور دستوري. وهكذا صار واقع الحال في لبنان، وبالتحديد بعد اتّفاق القاهرة في العام 1969، حيث فاوض لبنان فيما كان فاقدًا لحصريّة القرار، ووقّع الاتّفاق فيما مفتاح تنفيذه توزّع على العواصع غربًا وشرقًا. حذارِ أن يعيد التّاريخ ذاته !
جولة روما بين الإطار والقرار
تشكّل الجولة السادسة ورقة اختبار للبنان حول أهليّة قراره السياسي من عدمه. وهي ليست جولة عاديّة للبحث في تفاصيل الإطار وكيفيّة تطبيق المناطق البتجريبية فيه وحسب. فالدّولة في روما أمام اختبار تحوّلها من دور الوسيط إلى صاحب السيادة. والخطورة لا تكمن في روما بل في ما بعدها. إذا بقيت الدّولة اللبنانيّة تفاوض فيما البنادق فيها موزّعة بين طهران ومحورها، فهذا يعني أنّ روما ستكون مجرّد محطّة لإدارة الأزمة وليس بابًا لإيجاد الحلول الممكنة.
وعلى وقع زمجرة الأسود الرّومانيّة يشتعل الخليج من جديد، ولكن هذه المرّة لا يبدو الرئيس الأميركي بموقع المفاوض الذي قد يتمّ إغراءه بتخفيض لأسعار النّفط لفترة محدودة. لقد حدد الرئيس ترامب هدفه: السيطرة على هرمز ومنع السفن الإيرانيّة وأخذ حصّة الـ20% من عبورها. ما يعني عمليًّا تجاوز أيّ أزمة ممكن أن تطال أمنه القومي.
والمهم في سياق هذا الحدث هو الإصرار اللبناني على فكّ المسارات من خلال تثبيت شرعيّة الدّولة المفاوِضَة في روما. فهذه المرّة الأولى منذ 44 سنة يقول رئيس الجمهوريّة إنّ مستقبل لبنان يجب ألّا يكون رهينة مستقبل طهران أو واشنطن. فهو بذلك كرّس الجزء الثاني من تركيبة الجمهوريّة الثالثة أي الحياد. وهذه ليست مجرد مناورة دبلوماسية، بل تحوّل في الفلسفة الكيانيّة للدولة نفسها.
إعلان الاستقلال لا يصنع استقلالًا
السيادة هي في صلب بنية الدّول، بمعنى آخر، هي تأتي كما هو متعارف في عالم التطبيقات الإلكترونيّة Build In. فعند إعلان الاستقلال في لبنان في 22 تشرين الثاني 1943 ورفض حلف الخوري – الصلح توقيع معاهدة حماية مع الدّولة الفرنسيّة وقتذاك، عملًا بنصيحة الرئيس إميل إدّه الذي تمّ تخوينه وفرنسته بالعمالة هو والشيخ جواد بولس، أبو التّاريخ، رفضًا لعمليّة استعارة الأمن والتمويل من فرنسا، سرعان ما سقط هذا الاستقلال بالتّجارب السياديّة.
بالمقابل، عندما أعلن شارل ديغول أن فرنسا ستخرج من القيادة العسكرية لحلف الناتو عام 1966، لم يكن يملك خطابًا فقط، بل كان يملك جيشًا واقتصادًا وإدارة قادرة على حماية القرار الفرنسي. أما الدولة التي تستعير أمنها من الخارج، وتمويلها من الخارج، وتسوياتها من الخارج، فلا تستطيع أن تستعير السيادة أيضًا.
وما بين هذين القوسين يقبع لبنان اليوم في أخطر مرحلة وجوديّة – كيانيّة بتناريخه الحديث. والخطر في ذلك ليس في ما تريده إسرائيل أو أميركا أو حتّى إيران، بل في ما يريده اللبنانيّون أنفسهم. فهل حسم الخيار حول وحدة الدّولة اللبنانيّة والـ10452كم2 ؟ أم تسعى منظّمة حزب الله وخلفها الثنائي لتكريس مبدأ جمهوريّات الظلّ داخل جمهوريّة استحقّت لقب الرّجل المريض؟ هذا اللقب الذي استحقّته الأمبراطوريّة العثمانيّة لأنّها فقدت القدرة على اتّخاذ القرار من دون تدخّل القوى الأوروبيّة آنذاك. وما بين مركزيّة الحكم ولا مركزيّته هل ستستطيع روما تكريس شكل الحكم الجديد في لبنان؟ وهذا هو الرّكن الثاني من الجمهوريّة الثالثة. أي الاتّحاديّة.
مكمن الخطر الحقيقي
خطورة مفاوضات روما هو التبلّد الذي ممكن أن يصيبها. أي بمعنى آخر أن تصبح مفاوضات بالشكل نتيجة لعدم اتّخاذ الدّولة اللبنانيّة القرار على أن تصبح هي نفسها سيّدة قرارها.
فالتّأريخ لا يرحم الضعفاء. والقوّة ليس بالسلاح وحسب، بل في القدرة عن التخلّي عن السلاح والذّهاب نحو سلام مشرّف لإنهاء الحرب السرمديّة. ولنا في تاريخنا أمثلة عديدة تبدأ من تاريخ النّزاع في أوروبا بعد الشيوعيّة في يوغوسلافيا مثلًا، كما في إيرلندا الشماليّة نتيجة الصراع الاثني أو قبرص بين اليونان والأتراك، وصولًا إلى مجموعة معاهدات وستفاليا في العام 1648 التي أنهت حرب الثلاثين عامًا في أوروبا، وأرست مبدأ “سيادة الدّولة الوطنيّة”، وشكّلت عماد النّظام الدّولي الحديث.
السلام الحقيقي يكون باسترجاع قرار السلاح من الدويلة ومنظومتها إلى الدّولة ومؤسساتها. والسيادة لا تقاس بعدد القرارات التي تأخذها الحكومات في الدّول، بل في قدرة المؤسسات في هذه الدّول على تطبيق هذه القرارات من دون مساعدة أحد.
زمن برّي وجنبلاط ولّى إلى غير رجعة
نحن في بحاجة إلى وستفاليا شرق أوسطيّة لإنهاء عقود من الصراع العربي -الاسرائيلي، ولا سيّما بعد التسريبات التي وصلت من أروقة روما بعد اليوم الأوّل حول إصرار الأميركي على تحقيق إنجاز صغير وسريع يتمثّل بخروج اسرائيلي، ولو محدود من منطقة أو منطقتين ليبني على هذه الخطوة خطواته المقبلة نحو السلام. عوض الجلوس على ضفّة النّهر وانتظار قارب السلام ليعبر.
بينما إسرائيل تربط انسحابها بالضمانات الأمنيّة التي ما زالت الدّولة اللبنانيّة عاجزة عن تقديمها. وربما لهذا السبب تبدو روما اليوم أكثر من مدينة تفاوض؛ إنها مرآة تكشف حقيقة لبنان.
فنجاح فخامة الرّئيس بتحويل الإطار إلى باب لاستعادة القرار وترسيخ مفهوم الدّولة السيّدة ستكون روما وستفاليا القرن. أمّا إذا بقي قرار الدّولة اللبنانية مشتّتًا على الأرصفة الدّوليّة فستتحوّل روما إلى ما يريده الزّعيم وليد جنبلاط وخلفه الرّئيس نبيه برّي أي هدنة جديدة تؤجّل الانفجار الجديد ولا تمنعه.
إن الجمهورية الثالثة لن تولد بتعديل دستوريٍّ، ولا بتغيير لبعض الأشخاص، ولا حتى باتفاقات الخارج. بل هي ستولد حتمًا نتيجة تضافر الإرادات اللبنانيّة في إرادة واحدة وتحت إدارة واحدة ليصبح لبنان الجديد دولة ووطنًا لا صندوق بريد وقرارا لصدى قرارات الأمم. وعندها فقط يرسَم مستقبَل بيروت في بيروت لا في روما أو واشنطن أو باريس أو السعوديّة أو طهران أو الشام.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير