
كاتبة وناشطة سياسية
البذور التي كانت تشبه الألماس… هل يستطيع لبنان أن يصبح أول وطنٍ عضويٍّ في الشرق الأوسط
رسالة مفتوحة إلى معالي وزير الزراعة الدكتور نزار هاني
خاص بوابة بيروت
هل يكون قانون البذور نقطة انطلاق نحو نهضةٍ زراعيةٍ، أم مصدرَ قلقٍ على الأمن الغذائي؟
لم تكن جدّتي تعرف كلمة “Organic”، ولم تكن تحتاج إلى ملصقٍ أخضر على صندوق الخضار ليخبرها أن ما تزرعه طبيعي. كل ما كانت تعرفه هو أن البذور التي ورثتها عن أمها ستُزرَع مرةً أخرى، وأن الأرض التي تحترمها ستردُّ لها الخير.
كان الغذاء الذي نسميه اليوم “عضوياً” هو ببساطة… طعامُ جدّتي.
أتذكر البندورة التي كانت رائحتها تسبق لونها. لم تكن كبيرةَ الحجم ولا مثاليةَ الشكل، لكنها كانت تملأ البيت بعطرها قبل أن تصل إلى المطبخ. بندورةٌ جبليةٌ، نغسلها بالماء النظيفة من الحنفية ونرشُّ عليها القليلَ من الملح، فنشعر بطعمها الحقيقي من دون الحاجة إلى أي إضافات.
وأتذكر الخيار الذي كان مقرمشاً، يروي عطشنا قبل أن يملأ بطوننا، والتين الذي كان يقطر عسلاً عند قطفه، والمشمش الذي كانت رائحته تعبق في الحقل، والخوخ الذي كانت عصائره تسيل على أيدينا، والعنب الذي كانت قشرته رقيقةً وكانت بذوره تُحفَظ للموسم التالي، والرمان الذي كانت كل حبةٍ فيه تحمل طعماً مختلفاً، والزعتر البري الذي كان يملأ الجبال بعطره، والقمح البلدي الذي كانت حبوبه أقلَّ عدداً لكنها أغنى نكهةً.
حتى البيضة كانت مختلفة، والحليب كان يفسد إذا تُرك خارج البراد، لأنه لم يكن مُصمَّماً ليبقى صالحاً لأشهر. كان كل شيءٍ يعيش دورة الحياة الطبيعية، لأن الأرض كانت تُحترَم، والبذور كانت تُورَّث، والغذاء كان يُنتَج ليغذي الإنسان، لا ليصمد على رفوف المتاجر.
لم تكن تلك مجرد ذكرياتٍ جميلةٍ… بل كانت نتيجةَ نظامٍ زراعيٍّ كاملٍ يقوم على بذورٍ محليةٍ، وتربةٍ حيَّةٍ، وتنوّعٍ بيولوجيٍّ، واحترامٍ لدورة الطبيعة.
واليوم، نسمي ذلك كله “الزراعة العضوية”، بينما كان بالنسبة إلى أجدادنا أسلوب حياةٍ بسيطاً وطبيعياً.
ماذا يقول العلم؟ أرقامٌ تدق ناقوس الخطر
اليوم، بدأ العلم يؤكد ما عرفه أجدادنا بالتجربة، لكن الأرقام التي تكشفها الدراسات العالمية صادمة.
تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) إلى أن العالم فقد نحو 75% من التنوع الوراثي للمحاصيل الزراعية منذ مطلع القرن العشرين. ويعود هذا الفقدان إلى مجموعةٍ من العوامل، منها التحول نحو الزراعة الصناعية، وتركيز أسواق البذور التجارية في أيدي عددٍ محدودٍ من الشركات الكبرى، إضافةً إلى أطرٍ قانونيةٍ قيَّدت تدريجياً حقَّ المزارعين في حفظ بذورهم وتبادلها وإكثارها.
والأكثر إثارةً للقلق أن أكثر من نصف الإنتاج الزراعي العالمي يعتمد اليوم على تسعة محاصيل فقط، مما يجعل النظم الغذائية العالمية أكثر هشاشةً في مواجهة التغير المناخي والآفات والأزمات الغذائية.
دروسٌ من دولٍ فقدت بذورها… فلنتعلم قبل فوات الأوان
تونس: من 65% إلى 5% في جيلٍ واحد
في سبعينيات القرن الماضي، كانت البذور المحلية تشكل نحو 65% من إجمالي البذور المستخدمة في تونس. أما اليوم، فلا تتجاوز نسبتها 5%. خمسون صنفاً محلياً موزعةً على أربع عشرة محافظةً مهددةٌ بالانقراض، وقد اختفى أحد عشر صنفاً منها بالفعل. واليوم تستورد تونس ثلثي احتياجاتها من الحبوب.
المغرب: فقدان 80% إلى 90% من البذور المحلية
في منطقة سوس ماسة، أظهرت دراسة علمية أن المزارعين فقدوا ما بين 80% و90% من أصناف الخضروات المحلية خلال العقود الثلاثة الماضية، ومنها أصناف من الجزر، والفول، والبطيخ، والبازلاء، والطماطم. أما الأصناف التي بقيت، فما زال يحافظ عليها مزارعون متوسط أعمارهم 52 عاماً، ما يعني أن هذا الإرث الزراعي قد يختفي مع اختفاء الجيل الذي يحمله.
الهند: 110 آلاف صنف أرز… ضاع معظمها
قبل الثورة الخضراء، كانت الهند تزرع ما يقارب 110 آلاف صنف محلي من الأرز. ومع اعتماد الأصناف الحديثة عالية الإنتاجية، فُقد نحو 90% من هذه الأصناف، وخسرت البلاد معها ثروةً وراثيةً ومعرفةً زراعيةً تراكمت عبر آلاف السنين.
المكسيك: مهد الذرة يفقد تنوعه
في المكسيك، موطن الذرة الأصلي، تراجع عدد الأصناف المحلية بصورةٍ كبيرة، وتشير الدراسات إلى أن 66% منها قد تختفي خلال العقود المقبلة إذا استمرت الضغوط المناخية والزراعية الحالية.
ماذا يعني هذا للبنان؟
لبنان، الذي يقع في قلب الهلال الخصيب، مهدِ الزراعة منذ آلاف السنين، ليس بمنأى عن هذه الكارثة الصامتة.
النقاش الدائر اليوم حول مشروع قانون تنظيم البذور ليس مجرد نقاشٍ قانوني، بل هو نقاشٌ حول مستقبل غذائنا، وصحة أطفالنا، وسيادتنا الغذائية.
البذور البلدية التي ورثناها عن أجدادنا ليست مجرد بذورٍ قديمة، بل هي مختبراتٌ حيَّةٌ للتكيف الطبيعي، تحمل في جيناتها قدرةً فطريةً على مقاومة الجفاف، والأمراض، والتقلبات المناخية. إنها ذاكرةٌ بيولوجيةٌ صنعتها الطبيعة عبر مئات السنين.
في المقابل، تعتمد الأسواق العالمية بصورةٍ متزايدة على البذور التجارية والهجينة، ما يؤدي في كثير من الحالات إلى زيادة الاعتماد على الأسمدة والمبيدات لتحقيق الإنتاجية المطلوبة.
وهنا يبدأ السؤال الصحي الكبير.
السم في طبقنا… عندما تصبح الزراعة قضية صحة عامة
كلما ازداد الاعتماد على الزراعة الكيميائية المكثفة، ارتفع التعرض للمبيدات وبقاياها في البيئة والغذاء.
وتشير دراسات علمية عديدة إلى أن التعرض المزمن لبعض المبيدات قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان، واضطرابات الغدد الصماء، وبعض الأمراض العصبية، كما قد يساهم في حدوث الالتهابات المزمنة (Chronic Inflammation)، التي أصبحت من العوامل المرتبطة بعدد كبير من الأمراض المزمنة في عصرنا.
ولهذا تتجه دول كثيرة اليوم إلى خفض استخدام المبيدات وتشجيع الزراعة المستدامة والعضوية، ليس فقط حمايةً للبيئة، بل حمايةً لصحة الإنسان أيضاً.
وفي المقابل، فإن مشروع القانون الحالي، بصيغته المتداولة، لا يتضمن نصوصاً واضحةً تنظم أو تحدد آلية التعامل مع الكائنات المعدلة وراثياً (GMOs)، ولا يفرض متطلباتٍ واضحةً للشفافية بشأنها، وهو ما يستحق نقاشاً وطنياً واسعاً لضمان أعلى معايير السلامة البيولوجية والغذائية.
لبنان ليس البرازيل… وهذه أكبر نقطة قوة لدينا
معالي الوزير،
لبنان ليس البرازيل، ولا الولايات المتحدة، ولا الهند.
وهذا ليس ضعفاً…
بل ربما يكون أكبر فرصةٍ تاريخيةٍ نملكها.
فنحن بلدٌ صغيرٌ لا تتجاوز مساحته 10,452 كيلومتراً مربعاً، ونمتلك تنوعاً مناخياً لا يتوافر في كثير من الدول الأكبر مساحةً.
ما يحتاج إلى عقود في الدول الكبرى، يستطيع لبنان أن ينجزه خلال سنوات إذا توفرت الرؤية والإرادة.
بدلاً من أن نسأل: كيف ننافس العالم في كمية الإنتاج؟
فلنسأل: كيف نصبح الأفضل في جودة الغذاء؟
لماذا لا يصبح لبنان أول دولةٍ في الشرق الأوسط تعتمد رؤيةً وطنيةً للتحول التدريجي نحو الزراعة العضوية؟
لماذا لا تصبح عبارة “Organic Lebanon” علامةً وطنيةً تفتح أسواق العالم أمام منتجاتنا؟
لماذا لا تتحول قرانا إلى نماذج للزراعة النظيفة، ويصبح الغذاء اللبناني رمزاً للصحة والجودة كما كان في ذاكرة أجدادنا؟
معالي الوزير،
أنتم تعرفون قيمة الأرض، فمنذ عام 2010 وأنتم تديرون محمية أرز الشوف، وساهمتم في الحفاظ على واحدةٍ من أهم ثرواتنا الطبيعية.
واليوم، بين أيديكم فرصةٌ تاريخيةٌ لا تقل أهميةً عن حماية الأرز…
حماية بذور لبنان.
إننا لا نطلب إيقاف التطور، ولا نقف ضد العلم، بل نطالب بأن يكون العلم في خدمة الإنسان، وأن يكون القانون في خدمة المزارع والمستهلك معاً.
لذلك، نأمل أن يتحول هذا القانون إلى مشروع نهضةٍ وطنية، لا مجرد تنظيمٍ تجاري.
وندعو وزارتكم إلى:
– حماية البذور البلدية عبر إنشاء بنكٍ وطني للبذور، وإقرار حق المزارعين في حفظها وتبادلها وإكثارها.
– وضع سياسة وطنية واضحة للكائنات المعدلة وراثياً (GMOs)، تقوم على مبدأ الوقاية والشفافية الكاملة.
– إطلاق خطة وطنية للتحول التدريجي نحو الزراعة العضوية، وخفض استخدام المبيدات عالية الخطورة، وتشجيع المكافحة الحيوية.
– إشراك المزارعين والجامعات والخبراء ومنظمات المجتمع المدني في رسم مستقبل السياسة الزراعية.
معالي الوزير…
لقد عُرف لبنان يوماً بأنه منارة الشرق الأوسط في الثقافة والتعليم والطب والإبداع.
واليوم، يمكنه أن يصبح منارة الشرق الأوسط في الزراعة العضوية والغذاء الصحي.
قد يكون هذا الحلم طموحاً، لكنه ليس مستحيلاً.
بل إن صغر مساحة لبنان يجعل تحقيقه أكثر واقعيةً من كثير من الدول.
حلمٌ يمكن تحقيقه
تخيلوا لبنان بعد عشر سنوات…
– كل مدرسةٍ تزرع حديقةً عضوية.
– كل بلديةٍ تحمي بذورها البلدية.
– بنكٌ وطنيٌّ يحفظ الإرث الزراعي اللبناني.
– خفضٌ تدريجي لاستخدام المبيدات الأكثر خطورة.
– برامجُ دعمٍ للمزارعين للتحول إلى الزراعة العضوية.
– مختبراتٌ وطنيةٌ تراقب جودة الغذاء وبقايا المبيدات.
– علامة “Organic Lebanon” تصبح من أقوى العلامات الزراعية في المنطقة.
– يأتي السياح إلى لبنان ليختبروا غذاءً صحياً ونظيفاً كما يقصدون اليوم دولاً اشتهرت بمطابخها التقليدية.
معالي الوزير،
البذور ليست سلعةً… البذور هي الحياة.
هي طعم البندورة التي كنا نأكلها من الأرض، ورائحة الدُّرَّيق التي لا تزال عالقةً في الذاكرة، وهي السيادة التي تضمن أن يبقى للبنانيين حقهم في غذاءٍ نظيفٍ، وصحيٍّ، وآمنٍ.
نحن لا نطلب المستحيل.
نطلب أن نورث أبناءنا ما ورثناه من أجدادنا، ولكن بعلم القرن الحادي والعشرين.
نطلب زراعةً مستدامةً، وغذاءً صحياً، وسياسةً زراعيةً تضع صحة الإنسان قبل أي اعتبار.
فلنحمِ بذورنا…
فلنحمِ صحتنا…
ولنُعِد لبنان منارةً للشرق الأوسط… من أرضه، وغذائه، وصحة شعبه.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير