روما نهاية الجمهوريّة الثانية وبداية اختبار الجمهورية الثالثة

خاص بوابة بيروت

لم تولد اتفاقيات كامب ديفيد في العام 1978 من العدم، أو من المصافحات أمام عدسات الكاميرات، بل نتيجة لمسار مفاوضاتي شاق، ولا سيّما في الجانب التقني منها حيث تمّ حسم الخرائط والضمانات وآليّات التنفيذ. هكذا هو مسار روما اليوم.

صعوبته في تفاصيله من حيث المناطق التجريبيّة ومهل تنفيذ الانسحاب الاسرائيلي وتحدّيات انتشار الجيش اللبناني. كما أنّ اتفاقية دايتون عام 1995 قد علّمت العالم أن إنهاء الحروب أسهل من بناء السلام؛ فقد أوقفت نزيف البوسنة، لكن تعقيدات تنفيذها أبقت الدولة أسيرة نظام سياسي هشّ حتى اليوم. هل ستستفيد التجربة اللبنانيّة من تجارب العالم السابقة حتى تحقٌّ نجاح إنهاء الحرب والانتقال إلى نظام ضامن ؟

تتشابه اللحظات الدّوليّة، ولكن تختلف في بعض جزئيّاته حيث بدا واضحًا أنّ ما يحدث في روما لا يقتصر فقط على التفاصيل التقنيّة للاتّفاق الإطار، بل حول كيفيّة تنفيذ ما اتّفق عليه في واشنطن.

وهكذا بدت روما كمجلس أمنيّ لصياغة هندسة أمنيّة جديدة من خلالها يتمّ إنهاء هذذ الفراغ الأمني في لبنان، والتفوّق الموجود في إسرائيل لصالح الشّعبين.

لقد اعتاد اللبنانيون على طرح إشكاليّة التفاوض وغمكانيّة تحققها في ظلّ موازين القوى السابقة. لكن اليوم بعد تبدّل موازين القوى، أصبح انتظار الانسحاب الاسرائيلي هو ما يشغل اللبنانيين.

إضافةً إلى التفكير المؤسساتي حول كيفيّة انتشار الجيش اللبناني، ومدى قدرة الدولة الضامنة على تثبيت هذا الاتّفاق الإطاري. وذلك بعد سنين طوال من الاعتياد على منظومة اللادولة وعمليّاتها ضدّ الاسرائيلي التي إن كبّدته خسائر أحيانًا في المدى التكتي إلّا أنّها لم تكن يومًا استراتيجيّة على المدى البعيد.

وهذا ما أثبتته الأيّام ودحضته التّجارب الفاشلة. وهذا ما سيشكّل جوهر ولادة الجمهوريّة الثالثة.

ولعلّ ما بدا من مخرجات الجولة السادسة معالم دستور تنفيذيّ جديد يشمل المرحلة المقبلة بالكامل. حيث وفقًا لمعلومات ديبلوماسيّة من روما أنّه تمّ الاتّفاق على الهيكل النّاظم للمناطق التجريبيّة، تمهيدًا لانتقال المباحثات إلى اللجان الفنّيّة لوضع الصيغة النّهائيّة وبدء التنفيذ خلال أيّام. وهذا ما يعكس الاهتمام الأميركي بالملفّ اللبناني بعيدًا من الملفّ الإيراني. ولا يمكن التقدّم أميركيًّا إن لم تكن ضمانة أميركا من قبل الرئاسة الأولى بالتنفيذ.

وهذه الخطوة السياديّة التي ستؤسّس للشكل الجديد للدولة اللبنانيّة.

فعلى ما يبدو أنّ هذه المناطق التجريبيّة بمساحتها الجغرافيّة المحدودة ستتحوّل إلى امتحان حقيقي لنجاح الاتّفاق أو فشله من جهة، ولنجاح أو فشل الدّولة اللبنانيّة في أن تتحوّل فعلًا إلى دولة.

فتجارب التّأريخ القاسية قد علّمنتنا أنّ سقوط المعاهدات يكون نتيجة لفشل آليّات تطبيقها. فهكذا حدث في فرساي بعد الحرب الأولى، وفي اتّفاق أوسلو عندما اصطدمت بنوده بالوقائع الميدانية وانعدام الثقة بين الطرفين.

من هذا المنطلق يجب قراءة مطلب الوفد اللبناني بأن يبدأ أي نموذج من أرض لبنانية محتلّة فعلًا حتّآ لا يفسّر ذلك مكسبًا إسرائيليًّا على حساب السيادة اللبنانيّة الصاعدة.

لكنّ سعي إسرائيل يبدو من الجهة المقابلة بأنّه مجرّد سعي لضمانات تتعلّق بقدرة الجيش اللبناني على التنفيذ. وما بين هذين الموقفين بدا موقف الـ “سنتكوم” كمحاولة لإدارة هذه الأزمة التي تعتبرها واشنطن الأكثر حساسيّة منذ اتّفاق وقف إطلاق النّار.

فيما يبدو الموقف اللبناني أكثر حذرًا إذ يواجه خطرين خارجي من إسرائيل، وداخلي من منظّمة حزب الله، حيث لم تخفي بعض الجهات السياديّة في لبنان إقدام ” المنظّمة” على ارتكاب عمل أمنيّ بهدف إسقاط زيارة فخامة الرئيس إلى واشنطن في المحظور.

وقد تكون هذه المرحلة مشابهة لمرحلة الشيخ سعد الحريري الذي أرسله وقتذاك الرئيس الأسبق ميشال عون ب One Way Ticket، أو حتّى بارتكاب أيّ عمل أمنيّ قد يطيح بهذه الزيارة. لكنّ أوساط بعبدا تشير إلى أنّ الفخامة تبدو حاسمة، ولن تقبل تسجيل أيّ خرق على حساب نجاح العهد برمّـه.

هذا العهد الذي وضعه سجّان المجلس بعد طول انتظار أمام اختبار تشريعي، شغله بقانون العفو، وبحسابات النصاب، فضلًأ عن المساومات التقليديّة. لكأنّ لبنان اليوم يعيش في زمنين متوازيين ومتناقضين: زمن الدّولة وزمن النّظام.

فالدّولة تسعى جاهدة لاستعادة السيادة المسلوبة من النّظام؛ والنّظام الذي يسعى لإسقاط محاولة الدّولة في التقاط انفاسها السياديّة وهو يدور في حلقته المفرغة.

أمام هذه الوقائع كلّها، فما يجري هو مسار كامل يبدأ بإعادة تعريف وظيفة الدّولة من البوابة السياديّة. فنجاح هذه المرحلة يعني عمليًّا الوصول إلى الجمهوريّة الثالثة وانتهاء الجمهوريّة الثانية التي كرّست فشل الأولى.

فالفرص، كما علّمنا التاريخ، لا تضيع عندما تكون نادرة، بل عندما تعجز الدول عن إدراك أنها أصبحت على أبوابها.

فهل ستنجح هذه الدّولة بتحويل الاتّفاق الذي قرع بابها اليوم إلى مشروع وطني للغد الذي لطالما انتظر اللبنانيّون ولادته مسارًا تصحيحيًّا لخطإ تكوينيّ من بوابة روما؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك