
صحافي استقصائي وباحث في حقوق الانسان
خاص بوابة بيروت
أثارت أحكام الإعدام الصادرة عن القضاء السوري بحق الديكتاتور الهارب بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد وعاطف نجيب وعدد من مسؤولي النظام السابق جدلًا حقوقيًا واسعًا، ولا سيما بعد اعتراض منظمة العفو الدولية على استخدام عقوبة الإعدام ومطالبتها بضمان محاكمات تتوافق مع المعايير الدولية.
وأمام هذا الجدل، من الضروري ألا تتحول القضية إلى مواجهة عاطفية بين مؤيدي عقوبة الإعدام ومعارضيها، وألا تضيع، في الوقت نفسه، الحقيقة القانونية الأساسية وسط الشعارات: نحن أمام متهمين وإدانات تتعلق بجرائم قتل عمد وتعذيب وقتل أطفال وحرمان من الحرية، وفي سياق أوسع من الانتهاكات الجسيمة التي عاشها السوريون على امتداد سنوات طويلة.
وفي 11 آب 2026، أصدرت المحكمة الجنائية الرابعة في دمشق أحكامًا بالإعدام بحق الهارب بشار الأسد و شقيقه ماهر الأسد، غيابيًا، وبحق عاطف نجيب الذي كان حاضرًا في المحاكمة.
وأُدين بشار الأسد، وفق ما أعلن عن الحكم، بالأمر بقتل مدنيين بينهم أطفال وبالتعذيب والاحتجاز غير المشروع، فيما أدين نجيب بجرائم شملت القتل والقتل العمد لأطفال دون الخامسة عشرة والتعذيب المفضي إلى الموت.
الإعدام ليس محظورًا دوليًا حظرًا مطلقًا
هذه هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها النقاش القانوني.
يمكن لأي منظمة حقوقية أن تتخذ موقفًا أخلاقيًا ومبدئيًا برفض عقوبة الإعدام، وهذا حقها، بل إن الاتجاه الدولي المتزايد يسير نحو إلغاء العقوبة. لكن شيئًا مختلفًا تمامًا هو الادعاء بأن مجرد صدور حكم بالإعدام في دولة لم تلغ العقوبة يجعل الحكم تلقائيًا غير مشروع بموجب القانون الدولي.
فالمادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واضحة في صياغتها. فهي تنص، بالنسبة للدول التي لم تلغ عقوبة الإعدام، على إمكان فرضها فقط في “أشد الجرائم خطورة»”، وفق القانون النافذ وقت ارتكاب الجريمة، وبموجب حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة. كما تكفل للمحكوم عليه حق طلب العفو أو تخفيف العقوبة.
ولجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ضيقت تفسير «أشد الجرائم خطورة» بصورة كبيرة، وربطته بالجرائم التي تنطوي على القتل العمد. كما تشدد على أن عقوبة الإعدام لا يجوز أن تصدر نتيجة محاكمة تنتهك ضمانات المحاكمة العادلة.
وهنا يصبح السؤال القانوني الحقيقي: هل نحن أمام جرائم تقع ضمن هذا المستوى من الخطورة؟
عندما تكون الإدانة بالقتل العمد، وقتل عدة أشخاص، وقتل أطفال، والتعذيب المؤدي إلى الموت، فمن الصعب القول إننا أمام جرائم هامشية تقع خارج المفهوم الأكثر تضييقًا لـ«أشد الجرائم خطورة».
القانون السوري موجود أيضًا ولا يجوز تجاهله
القضاء السوري لم ينشئ جريمة القتل من فراغ.
الوقائع موضوع القضية أُسندت، من بين نصوص أخرى، إلى قانون العقوبات السوري رقم 148 لعام 1949 وتعديلاته؛ وتضمنت اتهامات بالقتل العمد والقتل القصد بحق أكثر من شخص، وقتل أطفال دون الخامسة عشرة، والقتل المقترن بأعمال التعذيب والشراسة، والتحريض على القتل، استنادًا إلى المواد 534 و 535 بدلالة المادة 216 من قانون العقوبات.
كما شملت الاتهامات التعذيب والتعذيب المفضي إلى الموت والحرمان من الحرية والخطف، بالاستناد إلى المادة 556 من قانون العقوبات، والقانون رقم 16 لعام 2022 المتعلق بتجريم التعذيب، والمرسوم التشريعي رقم 20 لعام 2013 في جوانب من القضية.
هذا لا يعني أن كل إشكالية قانونية في القضية قد حُسمت. فقد قدمت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قبل صدور الحكم، دراسة قانونية جادة أشارت فيها إلى ثغرات محتملة تتعلق بالتوصيف القانوني للجرائم الدولية، وعدم وجود تعريفات متكاملة للجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب ومسؤولية القيادة في التشريع الجنائي السوري، إضافة إلى مسائل تتعلق بالرجعية والمحاكمات الغيابية. وهي ملاحظات ينبغي أن يناقشها القضاء وأن تخضع الأحكام بسببها للتدقيق في درجات التقاضي المتاحة.
لكن وجود نقاش قانوني حول بعض عناصر التكييف لا يمحو الجرائم الوطنية الأصلية كالقتل العمد والتعذيب والحرمان من الحرية، ولا يحول المساءلة القضائية إلى فعل انتقامي.
نحترم موقف العفو الدولية… ولكن نختلف معها
موقفنا من منظمة العفو الدولية يجب ألا يكون عدائيًا.
نحن نحترم تاريخ المنظمة ودورها الحقوقي، كما نحترم حقها في تبني موقف مبدئي يرفض عقوبة الإعدام في جميع الظروف.
لكننا في المقابل نقول بوضوح: نحترم موقف منظمة العفو الدولية المبدئي الرافض لعقوبة الإعدام، لكننا لا نعتبر مجرد صدور عقوبة الإعدام في دولة لم تلغها سببًا كافيًا بذاته لنزع الشرعية القانونية عن الحكم.
هناك فارق قانوني كبير بين القول: نحن نعارض عقوبة الإعدام ونطالب بإلغائها، وبين القول: هذا الحكم غير قانوني لأنه حكم بالإعدام.
الأول موقف حقوقي وأخلاقي مشروع.
أما الثاني فيحتاج إلى أساس قانوني مستقل: كأن تكون الجريمة خارج نطاق «أشد الجرائم خطورة»، أو أن تكون العقوبة غير منصوص عليها قانونًا، أو أن تكون المحاكمة قد انتهكت الضمانات الجوهرية للمحاكمة العادلة.
وزارة العدل السورية ردت بدورها على انتقادات منظمة العفو مؤكدة أن المحاكمات جرت أمام محكمة جنائية مدنية مختصة، وأنها استندت إلى وقائع وأدلة وملفات قضائية، مع ضمان حقوق الدفاع وطرق الاعتراض والطعن وفق الإجراءات النافذة. والأهم أن الوزارة أكدت أن المساءلة يجب أن تتم من خلال مؤسسات الدولة بعيدًا عن الانتقام والتسييس.
وهذا المبدأ يجب دعمه لا مهاجمته: لا انتقام، ولا قتل خارج القضاء، ولا محاكم ميدانية؛ وإنما متهم، ومحامٍ، وأدلة، وشهود، وقاضٍ، وحكم، وطرق طعن يحددها القانون.
ولماذا نتعامل مع سوريا وكأن عقوبة الإعدام اختراع سوري؟
المفارقة أن النقاش أحيانًا يقدم عقوبة الإعدام وكأن وجودها في القانون السوري حالة استثنائية لا يعرفها العالم.
وهذا غير صحيح.
وفق التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية نفسها، نُفذت خلال عام 2025 ما لا يقل عن 2707 عمليات إعدام موثقة في 17 دولة، دون احتساب آلاف الإعدامات التي تعتقد المنظمة أنها نُفذت في الصين لأن الأرقام هناك سرية.
ومن بين الدول التي نفذت أحكامًا في 2025 الصين والولايات المتحدة واليابان وسنغافورة، إلى جانب دول أخرى. وفي الولايات المتحدة وحدها نُفذ 47 حكمًا بالإعدام خلال 2025، وهو أعلى رقم فيها منذ 2009. كما استأنفت اليابان تنفيذ الإعدام بعد توقف.
بل إن الولايات المتحدة لا تزال تنفذ الأحكام في عام 2026؛ وفي أغسطس الحالي كانت ثلاث ولايات أمريكية، هي تينيسي وألاباما وأوكلاهوما، تستعد لتنفيذ أحكام في اليوم نفسه بحق مدانين بجرائم قتل.
وهنا يجب أن نكون منصفين أيضًا: وجود الإعدام في هذه الدول لا يجعل كل تطبيق له متوافقًا تلقائيًا مع القانون الدولي. وقد انتقدت الأمم المتحدة ومنظمة العفو تطبيقه في جرائم لا تنطوي على القتل العمد، مثل بعض جرائم المخدرات. فالمعيار الذي ندافع عنه لسوريا يجب أن نطالب به للجميع بلا ازدواجية: أشد الجرائم خطورة، وقانون سابق، ومحكمة مختصة، ومحاكمة عادلة، وضمانات كاملة.
العدالة الانتقالية لا تعني التساهل مع الجناة
هناك خطأ آخر يجب مواجهته: اختزال العدالة الانتقالية في المصالحة والعفو.
العدالة الانتقالية ليست نسيانًا، وليست دعوة للضحايا كي يتعايشوا مع الإفلات من العقاب.
إنها منظومة تشمل الحقيقة والمساءلة والعدالة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار.
وسوريا لا تستطيع بناء مستقبل مستقر إذا شعر مئات آلاف الضحايا وعائلات المفقودين والمعتقلين والمهجرين بأن الانتقال السياسي يعني طي ملفات الجرائم الكبرى باسم الاستقرار.
المجتمع الذي لا يرى العدالة في قاعاته القضائية قد يبدأ بالبحث عنها خارجها.
ولهذا فإن تسريع محاكمات المتهمين بارتكاب الجرائم الجسيمة، مع الحفاظ الصارم على ضمانات المحاكمة العادلة، ليس خطرًا على العدالة الانتقالية؛ بل أحد شروط نجاحها.
والعدالة البطيئة إلى حد يضيع معه الدليل، ويموت الشاهد، ويهرب المتهم، وييأس الضحية، ليست عدالة مكتملة.
بشار وماهر الأسد: عودا إلى قاعة المحكمة
أما بشار الأسد وماهر الأسد وغيرهما ممن صدرت بحقهم أحكام غيابية وهم خارج البلاد، فموقفنا ينبغي أن يكون أكثر وضوحًا.
لسنا بحاجة إلى مطالبة أحد بتنفيذ حكم غيابي على رجل موجود على بعد آلاف الكيلومترات. نطالب بتسليمه إلى القضاء.
إذا كان بشار الأسد يعتبر الاتهامات باطلة، فليسلّم نفسه.
وإذا كان ماهر الأسد يعتبر الأدلة ملفقة، فليسلّم نفسه.
وليقف كل منهما أمام القضاء السوري، وليحصل على محامٍ، وليطّلع على الأدلة، وليناقش الشهود، وليقدم شهود دفاعه وأدلته، وليستخدم كل طرق الاعتراض والطعن التي يكفلها القانون.
هذا هو التحدي الحقيقي.
فالحق في المحاكمة العادلة ليس امتيازًا للضحايا ولا هدية للمتهم؛ إنه الضمانة التي تجعل الحكم قضاءً لا انتقامًا.
وقد أثارت منظمة العفو تحديدًا مسألة المحاكمات الغيابية وطالبت بضمان قدرة المتهمين على الدفاع عن أنفسهم، بينما أكدت وزارة العدل السورية وجود طرق للاعتراض والطعن وضمانات للدفاع.
ولهذا نقول دون تردد: نطالب بمحاكمة حضورية عادلة لبشار الأسد وماهر الأسد وجميع الفارين من العدالة.
نريدهم في قاعة المحكمة، لا في المنفى.
أمام القاضي، لا أمام منصة سياسية.
يدافعون عن أنفسهم، ويسمعون الشهود، ويواجهون الأدلة، ثم يقول القضاء كلمته.
حقوق المتهم لا تلغي حقوق الضحية
لقد اعتاد الخطاب الحقوقي الدولي، لأسباب مفهومة، التركيز على حقوق المتهم. لكن العدالة لها طرف آخر لا يجوز أن يتحول إلى هامش في القضية: الضحية.
هناك أمهات ما زلن ينتظرن معرفة أين اختفى أبناؤهن.
هناك عائلات خرج أحد أفرادها إلى فرع أمني ولم يعد.
وهناك ناجون حملوا آثار التعذيب في أجسادهم وذاكرتهم سنوات طويلة.
إن حماية المتهم من محاكمة جائرة واجب، لكن حماية حق الضحية في المساءلة واجب أيضًا.
ولا تناقض بين الاثنين.
نريد محكمة لا تنتقم من المتهم، ولا تخون الضحية.
نريد قاضيًا لا يحكم تحت ضغط الشارع، ولكنه أيضًا لا يتصرف وكأن الجرائم التي أمامه مجرد أرقام في ملف.
سوريا أمام فرصة تاريخية
لا تحتاج سوريا الجديدة إلى محاكم انتقام، ولا تحتاج إلى أحكام سياسية.
تحتاج إلى شيء أصعب وأبقى: قضاء قادر على محاكمة رموز النظام السابق وفق القانون، وقادر في الوقت نفسه على ضمان حقوقهم كاملة أمام المحكمة.
لأن قوة الدولة الجديدة لن تظهر عندما تعاقب خصومها بلا محاكمة؛ بل عندما تمنح حتى من تتهمهم بأفظع الجرائم حق الدفاع، ثم تحاسب من تثبت مسؤوليته وفق القانون.
ومن هنا فإن دعوتنا إلى تسريع محاكمات المتهمين بارتكاب الجرائم الكبرى لا تعني اختصار الإجراءات أو تجاوز حقوق الدفاع. المقصود هو ألا تتحول العدالة إلى ملفات مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
ونطالب في الوقت نفسه باستمرار إصلاح التشريع الجنائي السوري بما يُدخل تعريفات دقيقة للجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة والاختفاء القسري ومسؤولية القيادة، ويغلق الثغرات التي نبهت إليها المؤسسات الحقوقية السورية، حتى تكون الأحكام المقبلة أكثر قدرة على الصمود أمام أي تدقيق قضائي وحقوقي دولي.
وأخيرًا، العدالة ليست مرادفًا للرحمة ولا للانتقام
نحترم من يعارض عقوبة الإعدام لأسباب أخلاقية أو حقوقية.
ونحترم منظمة العفو الدولية عندما تتمسك بموقفها التاريخي الرافض لها.
لكن احترام هذا الموقف لا يلزمنا باعتباره التفسير القانوني الوحيد الممكن للقانون الدولي.
العهد الدولي نفسه يميز بين الدول التي ألغت الإعدام والدول التي لم تلغه، ويفرض على الثانية قيودًا شديدة، في مقدمتها قصر العقوبة على أشد الجرائم خطورة وضمان المحاكمة العادلة.
وسوريا لم تلغ عقوبة الإعدام.
والجرائم محل هذه القضية تشمل القتل العمد والقتل المتعدد وقتل الأطفال والتعذيب المفضي إلى الموت، وهي من حيث طبيعتها تقع في قلب النقاش الدولي حول «أشد الجرائم خطورة».
لذلك فإن مجرد وجود كلمة “الإعدام “في منطوق الحكم لا يكفي وحده لإسقاط شرعيته القانونية.
ما يجب فحصه هو: هل توجد جريمة منصوص عليها؟ هل كانت العقوبة مقررة قانونًا؟ هل ثبتت المسؤولية الفردية بأدلة مشروعة؟ هل كانت المحكمة مختصة ومستقلة؟ هل مُنح المتهم حق الدفاع؟ وهل تتوافر طرق الاعتراض والطعن والضمانات التي يفرضها القانون؟
هذه هي الأسئلة التي تميز القانون عن الشعار.
وللفارين من العدالة نقول: أبواب المحكمة هي المكان الذي ينبغي أن تُحسم فيه هذه القضية.
ليسلّم بشار الأسد وماهر الأسد وغيرهما أنفسهم للقضاء، ولنطالب جميعًا بمحاكمة عادلة لهم، وبكل ضمانة يوفرها القانون. فإن ثبتت إدانتهم “وهي مؤكدة” بعد محاكمة تستوفي تلك الضمانات، فليتحملوا العقوبة التي يقررها القضاء وفق القانون السوري وضمن الالتزامات الدولية لسوريا.
فالعدالة التي نريدها لسوريا ليست عدالة المنتصر على المهزوم.
إنها عدالة الدولة على الجريمة.
والنجاح في ترسيخ هذه المعادلة هو ما سيمنح سوريا فرصة حقيقية لطي صفحة الاستبداد، وبناء دولة تقوم على سيادة القانون والعدالة وصون حقوق الضحايا.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير