حكومة الأعذار في جمهورية الانهيار

ورثوا الانهيار فاتخذوه عذراً

خاص بوابة بيروت

كان المطلوب أن تعيدوا بناء الدولة، فاخترتم إدارة ما تبقى منها. إذا كنتم لا تملكون القرار، فقولوا ذلك بوضوح. وإذا كنتم لا تستطيعون الإصلاح، فاتركوا المكان لمن يستطيع المحاولة.

من ماذا صُنعتم أيها الحكّام، حتى تستطيعوا مشاهدة بلد كامل ينهار من دون أن ترتجف فيكم مسؤولية، أو تستيقظ في ضمائركم لحظة اعتراف؟ من أي مادة سياسية وأخلاقية تكوّنتم، حتى أصبح خراب الدولة خبراً يومياً لا يستدعي منكم سوى خطاب جديد، واجتماع بلا نتيجة، ووعد تعرفون قبل الناس أنه لن يُنفّذ؟ فالحكم ليس مقعداً يُشغل، ولا موكباً يعبر، ولا لقباً يسبق الاسم. الحكم مسؤولية عن حياة الناس ومستقبلهم وأمنهم وكرامتهم، وحين تتحوّل السلطة إلى امتياز منفصل عن هذه المسؤولية، يصبح أصحابها جزءاً من الانهيار لا قادة للخروج منه.

لقد مُنحتم ما يكفي من الوقت، وما يفوق الحاجة من الفرص، وما لا تستحقونه من صبر الناس. قيل إن الحكومة تحتاج إلى مهلة، وإن الإصلاح يحتاج إلى توافق، وإن استعادة الثقة تتطلب تدرجاً، فانتظر اللبنانيون وهم يرون ما تبقى من أعمارهم ومدخراتهم وفرص أبنائهم يتبدد. لكن الوقت الذي طلبتموه لم يتحوّل إلى إنجاز، والفرصة لم تتحوّل إلى خطة، والصبر الذي أبداه الناس لم يقابله سوى مزيد من المماطلة. أصبح التأجيل سياستكم الوحيدة، وإدارة التراجع إنجازكم الأبرز، فيما تحوّل الوطن إلى مساحة تتقلص فيها إمكانات الحياة يوماً بعد يوم.

فشلتم في استعادة البلد لأنكم لم تتعاملوا معه بوصفه دولة تحتاج إلى إعادة بناء، بل بوصفه أزمة تحتاج إلى احتواء مؤقت. لم تقدموا للبنانيين مشروعاً وطنياً واضحاً يجيب عن الأسئلة الأساسية: أي اقتصاد نريد؟ كيف نحمي قيمة العمل والدخل؟ كيف نعيد بناء الثقة بالمؤسسات؟ كيف نستعيد القضاء والإدارة والتعليم والصحة؟ وكيف نمنع تحوّل الهجرة إلى المصير الطبيعي لكل شاب يمتلك القدرة على المغادرة؟ انشغلتم بإدارة النتائج وتركتم الأسباب تعمل في العمق، ثم استغربتم أن يعود الانهيار في كل مرة بصورة أشد قسوة.

أما إصلاحاتكم الاقتصادية والنقدية، فكانت نموذجاً في الارتجال وقصر النظر. تعاملتم مع اقتصاد منهار بعقلية المحاسب الذي يحاول إخفاء العجز في خانة أخرى، لا بعقلية الدولة التي تريد إعادة تأسيس نموذج اقتصادي كامل. بدل أن توزّعوا الخسائر بعدالة، وزعتم الألم على الناس. وبدل أن تحددوا المسؤوليات بوضوح، تركتم المودع والمواطن والموظف يدفعون الثمن، بينما بقي كثير من المستفيدين من النظام القديم خارج المحاسبة. لم يكن ما قدمتموه إصلاحاً بقدر ما كان محاولة لتنظيم الانهيار وحماية موازين القوة التي صنعته.

لقد خلطتم بين الإصلاح المالي والجباية من الناس. فكلما عجزتم عن معالجة أصل المشكلة، بحثتم عن رسم جديد أو ضريبة إضافية أو طريقة أخرى لتمويل دولة لا تزال ترفض إصلاح نفسها. طالبتم المواطن بأن يدفع أكثر، لكنكم لم تشرحوا له لماذا يجب أن يثق بكم، ولا أين ستذهب أمواله، ولا كيف ستُدار الموارد العامة بصورة مختلفة عن السابق. والإصلاح الذي يبدأ بجيب المواطن قبل أن يبدأ بمؤسسات الدولة ليس إصلاحاً، بل اعتراف بأن السلطة وجدت من الأسهل معاقبة الضعيف من مواجهة القوي.

وفي السياسة النقدية، استُبدلت الرؤية بإجراءات متفرقة، وتحوّل الاستقرار المطلوب إلى إدارة مؤقتة للأرقام. عولجت الأعراض بينما بقي المرض قائماً: اقتصاد ضعيف الإنتاج، وقطاع عام مترهل، وثقة مصرفية مدمرة، وغياب لخطة متكاملة تعيد وصل العملة بالنمو الحقيقي لا بالتدابير الظرفية. لا يمكن بناء الاستقرار النقدي على الغموض، ولا استعادة الثقة عبر قرارات تتغير باستمرار، ولا حماية العملة من دون اقتصاد ينتج ويصدّر ويستثمر ويخلق فرص عمل. فالعملة ليست رقماً يعلنه مسؤول، بل انعكاس لثقة الناس بالدولة وباقتصادها وبقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.

تحدثتم كثيراً عن الإصلاح، لكنكم تجنبتم السؤال الأهم: من يتحمل المسؤولية؟ فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأرقام وحدها، بل بكشف من راكم الخسائر، ومن استفاد، ومن أخفى الحقيقة، ومن اتخذ القرارات، ومن حمى المخالفات. لكنه سؤال لا تريدون طرحه لأن الإجابة قد تصل إلى دوائر النفوذ التي تحمي السلطة وتعيد إنتاجها. لذلك بقي الإصلاح بلا محاسبة، والمحاسبة بلا قضاء مستقل، والقضاء بلا حماية سياسية، فعاد كل شيء إلى النقطة التي بدأ منها.

أنتم لا تفتقرون إلى التقارير والخبراء والخطط. لبنان لم يعد بحاجة إلى لجنة جديدة تشرح له ما يعرفه، ولا إلى دراسة أخرى توثق ما يعيشه يومياً. ما يفتقده البلد هو القيادة السياسية القادرة على اتخاذ القرار، وتحمل تكلفته، ومواجهة المصالح التي تعطل تنفيذه. لكنكم استبدلتم القيادة بإدارة التوازنات، والدولة بالتسويات، والموقف الواضح بعبارات مدروسة كي لا تُغضب أحداً من أصحاب النفوذ. والنتيجة أنكم لم تُغضبوا مراكز القوة، لكنكم خذلتم شعباً كاملاً.

القيادة لا تظهر في الأيام السهلة، بل عندما يصبح اتخاذ القرار مكلفاً. القائد لا يكتفي بوصف الأزمة، ولا يشرح للناس لماذا تعذر الحل، بل يحدد الوجهة ويجمع المؤسسات حولها ويتحمل المسؤولية عن النتائج. أما أنتم، فتتقنون توزيع المسؤولية حتى لا يتحملها أحد. إذا فشل القرار، قيل إن الظروف لم تسمح. وإذا تأخر الإصلاح، قيل إن التوافق لم يكتمل. وإذا غابت المحاسبة، قيل إن القضاء يحتاج إلى وقت. وهكذا يصبح الفشل بلا صاحب، بينما يتحول المواطن وحده إلى صاحب الخسارة.

لا قيادة سياسية في بلد يتحدث فيه كل مسؤول بصفته ممثلاً لطائفة أو حزب أو مصلحة، لا بصفته مؤتمناً على الدولة. لا قيادة في سلطة تخاف من القرار أكثر مما تخاف من الانهيار. ولا قيادة في حكومة تنتظر الخارج ليحدد لها ما ينبغي فعله، ثم تستخدم الانقسام الداخلي حجة لتبرير عجزها. الدولة التي لا تملك قرارها لا تستطيع أن تقود شعبها، والحكومة التي لا تجرؤ على تسمية المشكلة لن تملك الشجاعة لمعالجتها.

لقد جعلتم اللبناني يشعر بأن الدولة خصم لا سند. يواجهها للحصول على أبسط حقوقه، ويدفع لها من دون أن يتلقى خدمة، ويخشى قراراتها لأنها غالباً ما تعني ضريبة جديدة أو خسارة إضافية. يبحث عن الكهرباء والمياه والتعليم والصحة والأمان من خارج مؤسساتها، ثم يُطلب منه أن يثق بها. لكن الثقة لا تُنتزع بالخطب، ولا تُفرض بالقانون، ولا تُستعاد بحملات العلاقات العامة. الثقة نتيجة لسلوك متكرر يرى فيه المواطن أن الدولة تحمي حقه، وتحترم وقته، وتصون أمواله، وتطبق القانون على القوي قبل الضعيف.

والأشد إيلاماً أنكم لا تحكمون بلداً يملك ترف الانتظار. لبنان يخسر أبناءه كل يوم. الجامعات تخرّج الشباب ليرحلوا، والعائلات تتوزع بين القارات، والبيوت تصبح أماكن للزيارة بعد أن كانت أماكن للحياة. أنتم لا تخسرون أرقاماً في إحصاءات الهجرة، بل تخسرون الأطباء والمهندسين والمعلمين والمبدعين وأصحاب المبادرات الذين يحتاج إليهم أي مشروع نهوض. ومع ذلك، لا تزالون تتعاملون مع الهجرة كأنها شأن فردي، لا كواحدة من أخطر نتائج فشلكم الوطني.

لا تقولوا إن الظروف أكبر منكم. من يختار الحكم يختار مواجهة الظروف، ومن يقبل المنصب لا يستطيع أن يحتفظ بامتيازاته ثم يتذرع بعجزه. إذا كنتم لا تملكون القرار، فقولوا ذلك بوضوح. وإذا كنتم لا تستطيعون الإصلاح، فاتركوا المكان لمن يستطيع المحاولة. أما البقاء في السلطة مع تحويل العجز إلى خطاب دائم، فليس تضحية منكم، بل استمرار في تحميل البلد تكلفة وجودكم.

ولا تقولوا إن البدائل غير موجودة. في لبنان طاقات وخبرات وكفاءات قادرة على صياغة السياسات وإدارة المؤسسات وإعادة بناء الثقة، لكنها تُستبعد كلما هددت منطق المحاصصة أو رفضت الانضمام إلى منظومة التسويات. المشكلة ليست في غياب الأشخاص القادرين، بل في نظام يخشى الكفاءة لأنها تكشف عجزه، ويخشى الاستقلال لأنها تهدد سيطرته، ويخشى المحاسبة لأنها تفتح الملفات التي يريد إبقاءها مغلقة.

إن استعادة البلد لا تحتاج إلى معجزة، بل إلى قرار سياسي واضح يبدأ من الاعتراف بحجم الكارثة. تحتاج إلى خطة اقتصادية متكاملة تحدد الخسائر والمسؤوليات، وتحمي صغار المودعين، وتعيد هيكلة القطاع المالي، وتربط الاستقرار النقدي بالإنتاج والنمو. تحتاج إلى قضاء مستقل، وإدارة عامة قائمة على الكفاءة، وشفافية في إدارة المال العام، وسياسات تعيد الثقة للمستثمر والمواطن والمغترب. وقبل ذلك كله، تحتاج إلى سلطة تؤمن بأن الدولة ليست غنيمة، وأن الموقع العام ليس حماية شخصية، وأن المواطن ليس مصدراً دائماً لتمويل الفشل.

من ماذا صُنعتم أيها الحكّام؟ من خوف يمنعكم من القرار، أم من مصالح تمنعكم من الإصلاح، أم من لامبالاة جعلتكم تتعاملون مع وجع الناس كأنه تفصيل عابر؟ كيف تستطيعون الاستمرار في الحكم بينما يرحل البلد من تحت أقدامكم؟ وكيف تنظرون إلى شعب خسر أمواله وأمانه ومستقبل أبنائه، ثم تطلبون منه مزيداً من الصبر على سلطة لم تقدم له سبباً واحداً جديداً للثقة؟

لسنا أمام حكومة فشلت في تنفيذ بعض السياسات، بل أمام طبقة حكم فشلت في فهم معنى اللحظة التاريخية. كان المطلوب منها أن تقود عملية إنقاذ، فتحوّلت إلى جزء من الأزمة. كان المطلوب أن تستعيد ثقة اللبنانيين والعالم، فإذا بها تعيد إنتاج الأساليب نفسها التي بددت تلك الثقة. وكان المطلوب أن تعيد بناء الدولة، فاختارت إدارة ما تبقى منها.

ومن هنا يصبح السؤال موجهاً أيضاً إلى اللبنانيين: إلى متى نمنح الفاشلين أعذاراً لأنهم ينتمون إلى جماعتنا، أو لأنهم أقل سوءاً من غيرهم، أو لأن من سبقهم كان أكثر فساداً؟ متى نفهم أن الدفاع الأعمى عن أي حكومة أو زعيم أو حزب هو مساهمة في حماية النظام الذي دمّرنا؟ لا يمكن للشعب أن يطالب بالمحاسبة ثم يعطلها عندما تقترب من ممثليه. ولا يمكنه أن يرفض الفساد كمفهوم ثم يجد له المبررات عندما يمارسه من يعتبرهم أهله.

أيها الحكام، لا يكفي أن تقولوا إنكم ورثتم بلداً منهاراً. السؤال هو ماذا فعلتم بالإرث الذي تسلمتموه، وماذا ستتركون لمن يأتي بعدكم. هل ستضيفون إلى سجل الانهيار فصلاً جديداً من التردد والتبرير، أم ستملكون شجاعة القيام بالمبادرة التاريخية التي انتظرها اللبنانيون طويلاً؟ فالبلاد لا تنهض بالخطب، ولا تُستعاد بالنيات، ولا تُبنى بتقاسم الأعذار. البلاد تنهض عندما يشعر المسؤول أن كل يوم يمر من دون إصلاح هو إدانة له، وأن كل شاب يغادر هو شهادة بفشله، وأن كل مؤسسة تسقط تقتطع جزءاً من شرعيته.

لهذا لم يعد السؤال ماذا ستفعلون بلبنان، بل من ماذا صُنعتم أنتم. هل صُنعتم من مادة الرجال الذين تصنعهم الأزمات، أم من مادة المسؤولين الذين تصنعهم التسويات وتحميهم الأعذار؟ وكم بقي من لبنان كي تستمروا في الوقوف مكتوفي الأيدي، تراقبون سقوطه، ثم تخبروننا، من دون أن ترف لكم عين، أنكم تسلمتموه منهاراً؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك