بين المليون والمليار… جَهلٌ إداري أم «غايةٌ في نفس يعقوب»؟
كيف يمرّ نص مالي بهذا الحجم عبر سلسلة طويلة من المراجع والقنوات الإدارية والاستشارية والتنفيذية، من دون أن ينتبه أحد إلى هذا الفارق الذي يضاعف المبلغ بآلاف المرات؟
خاص بوابة بيروت
يُنتظر أن تصدر الجريدة الرسمية، في أعدادها المقبلة، مرسوماً تنفيذياً صادراً عن رئيس الجمهورية، بناءً على موافقة مجلس الوزراء، يقضي بتعديل قيمة التعويضات المالية المنصوص عليها في المادة السابعة من المرسوم رقم 3950 تاريخ 27/4/1960، والمتعلق بنظام التعويضات والمساعدات، استناداً إلى المرسومين الاشتراعيين رقمَي 112 و158 لعام 1959، وإلى القانون رقم 44 تاريخ 17/7/2023، الذي فتح اعتماداً إضافياً في الموازنة لتغطية فروقات هذه التعويضات المستحقة اعتباراً من 1/10/2023 وتصحيحها.
لكن المفارقة الفاقعة والخطيرة ظهرت في متن النص المتداول للمرسوم، قبل استكمال دربه ونشره رسمياً.
فقد ورد في بند الاعتمادات مبلغ رقمي قدره /56,500,000,000/ ليرة لبنانية، أي حسابياً ستة وخمسون ملياراً وخمسمائة مليون ليرة، بينما جاء تفقيط الرقم بالحروف على الشكل الآتي: «فقط ستة وخمسون ألف وخمسمائة مليار ليرة لبنانية»!
هنا لا نتحدث عن حرف سقط أو كلمة زائدة، ولا عن مجرد «غلطة شاطر». نحن أمام فرق مالي هائل بين 56.5 مليار و56,500 مليار ليرة!
فكيف يمرّ نص مالي بهذا الحجم عبر سلسلة طويلة من المراجع والقنوات الإدارية والاستشارية والتنفيذية، من دون أن ينتبه أحد إلى هذا الفارق الذي يضاعف المبلغ بآلاف المرات؟
إن حَسُنت النيّات، فهي كارثة إدارية تستوجب المساءلة. وإن لم تحسن، فالسؤال يصبح أخطر!
وقد يحاول البعض لاحقاً تبرير الأمر بالقول إن ثلاثة أصفار سقطت سهواً من الرقم المدوّن. لكن هذا التبرير يحتاج بدوره إلى تفسير، لأن الرقم جاء مقفلاً ومحاطاً بالسلاش /56,500,000,000/، وهي صياغة يُفترض أن تحصر الرقم وتحدّد أصفاره بدقة.
والأخطر أن التناقض بين الرقم والتفقيط في نص مالي رسمي لا يمكن التعامل معه باستخفاف، لأنه يطرح سؤالاً مشروعاً: أيّهما يُعتدّ به عند الاختلاف: الرقم أم الكلمات؟
ومثل هذا التناقض قد يترك، إن لم يُصحّح قبل النشر، مجالاً للتفسير والتكييف لاحقاً، ويفتح باباً خطيراً أمام الالتباس في الاعتمادات المالية، بعيداً عن وضوح النص وروحه الرقابية.
أما المفارقة الأكثر إيلاماً، فهي أن كل هذا الغموض يأتي في مرسوم يُفترض أنه يعالج تعويضات عائلية زهيدة للموظفين: نحو 2.1 مليون ليرة عن الزوجة، و1.16 مليون عن كل ولد، بسقف أقصى 5.8 مليون ليرة.
أرقامٌ باتت، في ظل التضخم وارتفاع كلفة المعيشة، لا تكاد تغطي فاتورة واحدة، فيما تتعثر الإدارة في ضبط الأرقام داخل مرسوم يفترض أنه يحفظ المال العام ويحدد وجهة إنفاقه.
المواطن الذي يُطلب منه دفع الضرائب والرسوم بدقة الليرة، من حقه أن يسأل الدولة: هل تُدار أموال الخزينة بالدقة نفسها؟
إن هذا المرسوم، بصورته المتداولة، ليس مجرد خطأ في كتابة رقم؛ بل إنذار إداري يكشف خللاً يستوجب التدقيق والمساءلة قبل أن يتحول الخطأ إلى أمر واقع.
وإذا كان مثل هذا الخطأ في النصوص المالية الرسمية يمكن أن يمرّ بلا تدقيق أو محاسبة، فالمشكلة لم تعد في رقم أخطأه قلم، بل في ثقةٍ تُهدر، ومالٍ عام يُدار بلا وضوح، وقانونٍ يفقد هيبته حين يصبح قابلاً للتفسير وفق المصالح.
وهنا يأتي دور المواطن: أن يتذكر، وأن يسأل، وأن يحاسب في صندوق الاقتراع من ائتمنهم على الدولة ومالها، وألا يمنح ثقته مجدداً لمن لم يصُن الأمانة كما يجب.
وقبل نشر المرسوم في الجريدة الرسمية، المطلوب ببساطة ووضوح: تصحيح النص، توحيد الرقم مع تفقيطه، توضيح قيمة الاعتماد بصورة لا تقبل التأويل، وتحديد المسؤولية عن هذا الخلل.
فالمال العام ليس وجهة نظر، والمراسيم الرسمية ليست مسودة قابلة للتأويل.
بين المليون والمليار، قد يكون الخطأ صفراً… لكن مسؤولية الدولة ليست صفراً!
فالثقة ليست شيكاً على بياض… والمال العام ليس لعبة أرقام.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير