الإعلام اللبناني لا يحتاج إلى هذه اللغة

عندما يكون أحد طرفي السجال إعلاميًا مخضرمًا مثل مارسيل غانم، والطرف الآخر إعلامية سابقة أصبحت اليوم نائبًا في البرلمان اللبناني مثل بولا يعقوبيان، فإن الكلام لا يبقى كلامًا شخصيًا بين شخصين...

خاص بوابة بيروت

لن أتحدث في السياسة اليوم. لن أقول من كان على حق، ومن كان على خطأ. ولن أدخل في تفاصيل الخلاف بين الإعلامي مارسيل غانم والإعلامية السابقة والنائبة الحالية بولا يعقوبيان. سأتحدث عن شيء أراه أخطر من الخلاف نفسه، الخطاب الإعلامي.

لأن ما حصل بالأمس ليس مجرد مشادة كلامية بين شخصين.

عندما يكون أحد طرفي السجال إعلامياً مخضرماً مثل مارسيل غانم، والطرف الآخر إعلامية سابقة أصبحت اليوم نائباً في البرلمان اللبناني مثل بولا يعقوبيان، فإن الكلام لا يبقى كلاماً شخصياً بين شخصين.

هناك جمهور يسمع. وشباب يتابع. وأجيال تتعلم. وهناك صورة للإعلام اللبناني تُرسم أمام الناس. لهذا، أنا لا أريد أن أسأل اليوم. من بدأ؟ ولا من استفز الآخر؟ ولا من كان رده أقسى؟ هذه كلها تفاصيل يمكن أن يتجادل حولها الناس على مواقع التواصل، وتنتهي بعد يوم أو يومين. السؤال الحقيقي بالنسبة لي هو.

هل وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الإعلامي والسياسي بحاجة إلى الشتيمة حتى يثبت أنه قوي؟ أنا أرفض ذلك.

وأقولها بوضوح، القوة ليست في الشتيمة. الإعلامي القوي لا يحتاج إلى إهانة ضيفه أو خصمه كي يثبت أنه قادر على المواجهة.

والسياسي القوي لا يحتاج إلى تحويل النقاش إلى معركة شخصية كي يثبت أنه قادر على الدفاع عن موقفه.

والأصعب من ذلك أن يتحول صاحب الخبرة الإعلامية إلى طرف في خطاب يفترض أنه، بحكم مهنته، يعرف تماماً خطورته.

مارسيل غانم أمضى سنوات طويلة أمام الكاميرا، وكان جزءاً أساسياً من تجربة البرامج السياسية الحوارية في لبنان. وبولا يعقوبيان تعرف الإعلام جيداً، لأنها جاءت منه قبل أن تدخل المجلس النيابي. وهذا تحديداً ما يجعل المشهد مؤسفاً أكثر.

لأننا لا نتحدث عن شخصين دخلا إلى الإعلام بالأمس. نتحدث عن شخصين يعرفان قوة الكلمة، ويعرفان ماذا تستطيع الكاميرا أن تفعل، ويعرفان أن الجملة التي تُقال على الهواء لا تختفي بمجرد انتهاء الحلقة. أنا لست ضد المواجهة. بالعكس.

الإعلام الذي يخاف من المواجهة ليس إعلاماً. والسياسي الذي لا يحتمل السؤال الصعب لا يجب أن يطلب من الناس أن يسمعوه. ومن حق الإعلامي أن يكون قاسياً في سؤاله. ومن حق السياسي أن يكون حاداً في رده. ومن حق الاثنين أن يختلفا إلى أبعد الحدود. لكن هناك خطاً يجب ألا نتجاوزه، أن نترك الفكرة ونهاجم الشخص. هنا تبدأ المشكلة.

لأنك عندما تعجز عن إسقاط حجة خصمك، لا يصبح مسموحاً لك أن تحاول إسقاطه شخصياً.

وعندما تختلف مع سياسي، لا تصبح إهانته بديلاً عن مواجهته. وعندما تختلف مع إعلامي، لا يصبح التجريح فيه رداً على سؤاله.

هذه ليست حرية تعبير. هذه إساءة استخدام للكلمة. والأخطر أن اللبناني اعتاد للأسف على هذا النوع من الخطاب.

صرنا نسمع الشتيمة في السياسة، وفي البرلمان، وعلى الشاشات، وعلى مواقع التواصل، وكأن ارتفاع الصوت وقسوة العبارة أصبحا دليلاً على قوة الموقف. ليس صحيحاً. أحياناً، أقوى رد هو أن تملك القدرة على قول الأسوأ، وتقرر ألا تقوله.

وأحياناً، أقوى إعلامي هو الذي يستطيع أن يحرج ضيفه بسؤال واحد، لا بعشر شتائم.

وأحياناً، أقوى سياسي هو الذي يرد على خصمه بالحجة، لا بإهانته.

أنا لا أكتب هذا دفاعاً عن مارسيل غانم. ولا هجوماً على بولا يعقوبيان. ولا العكس.

أنا أكتب لأنني أعتقد أن الإعلام اللبناني يستحق أفضل من ذلك.

نحن في بلد يعيش منذ سنوات على حافة الأزمات والانقسامات والانفعالات. الناس تعبت من الصراخ، تعبت من التخوين، تعبت من الشتائم، وتعبت من تحويل كل اختلاف إلى معركة شخصية.

فهل نريد من الإعلام أن يخفف هذا الاحتقان، أم أن يصبح نسخة أخرى عنه؟

وهنا تحديداً أقول لمارسيل غانم وبولا يعقوبيان، ولغيرهما من الإعلاميين والسياسي، أنتم لستم مجرد أشخاص يتشاجرون أمام الكاميرا، أنتم أصحاب تأثير. والتأثير مسؤولية. قد تنتهي الحلقة، وقد ينسى الناس تفاصيل الخلاف. لكن اللغة التي نستخدمها اليوم تصبح، مع الوقت، لغة عامة. وإذا كان الإعلام والسياسة قد تخليا عن الحد الأدنى من احترام الكلمة، فلا يمكن أن نطلب من الناس أن يكونوا أفضل منهما. لبنان لا يحتاج إلى إعلام يجمّل الحقيقة، ولا إلى إعلام يخاف من المواجهة. لكنه أيضاً لا يحتاج إلى إعلام يعتقد أن الشتيمة هي ذروة الجرأة.

نريد إعلاماً يوجع بالسؤال، لا بالإهانة.

نريد سياسياً يستطيع أن يواجه، لا أن يشتم.

نريد إعلامياً يستطيع أن ينتقد، لا أن ينتقم.

ونريد خلافاً يرفع مستوى النقاش، لا أن يخفض مستوى المتحاورين.

لأن المشكلة ليست في أن نختلف، المشكلة في أن نختلف وننسى أننا أمام الناس.

وفي النهاية، الكلمة ليست مجرد صوت يخرج من الفم. الكلمة موقف والكلمة مسؤولية والكلمة، خصوصاً عندما تصدر عن إعلامي أو سياسي، قد تبقى أطول بكثير من صاحبها.

فلننتبه قليلاً إلى ما نتركه وراءنا.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك