زيارة ثانية وصرخة واحدة : نريد الدّولة
لحضور الحكومة اللبنانيّة وقبلها الرئاسة في النبطية دلالات مؤسساتيّة مهمّة، لكنّها لم تنتج سيادة للدولة في النبطيّة أو الجنوب، ولم تترجم أيّ قدرة أمنيّة وعسكريّة وحتّى قضائيّة على استعادة الدّولة المغتصبة من حملة السلاح غير الشرعي، وبحسب تصنيف هذه الحكومة بالذات...
خاص بوابة بيروت
بدت زيارة رئيس الحكومة اللبنانية إلى بلدة النّبطيّة، عاصمة جبل عامل، الأكثر إثارة للجدل السياسي لأنّها حملت عدّة أبعاد قلبيّة وبَعْدِيّة. فالدّولة أرادت أن تقول للعالم كلّه بأنّ الجنوب لنا، وليس ساحة مستباحة متروكة لأحد. كما أنّ موضوع إعادة الإعمار هو موضوع سيادي من اختصاص الدّولة وليس من اختصاص أيّ فريق آخر.
أمّا الرسالة الثانية فبدت مدويّة اكثر لأنّها صدرت من “جيش الأهالي”. هذا الجيش الذي كان يستعمل أكياس رمل لما كان يسمّى ” المقاومة”، وكان يستعمل لقتل عناصر اليونيفيل تحت المسميات ذاتها، هو نفسه اليوم نبذ محرِّضيه على الدّولة وصرخ صرخة واحدة: نريد الدّولة. وهذه الدّولة التي كانت تملك الحدّ الأدنى من القدرة على الاستماع، يبدو انّها اليوم باتت صمّاء.
لحضور الحكومة اللبنانيّة وقبلها الرئاسة في النبطية دلالات مؤسساتيّة مهمّة، لكنّها لم تنتج سيادة للدولة في النبطيّة أو الجنوب، ولم تترجم أيّ قدرة أمنيّة وعسكريّة وحتّى قضائيّة على استعادة الدّولة المغتصبة من حملة السلاح غير الشرعي، وبحسب تصنيف هذه الحكومة بالذات.
والرسالة الثالثة برغم وجود الدّولة في عاصمة جبل عامل أتت إسرائيليّة بامتياز من خلال استمرار عمليّات الهدم، وإعادة التموضع والانتشار. فبنهاية المطاف الاسرائيلي لم يرَ الرّئاسة الأولى ولا الثالثة في النبطيّة، لنّه لم يلمس فعاليّتهما التنفيذيّة، بل جلّ ما رآه مشاهد رمزيّة وتصريحات عاطفيّة لا تصرف في السياسيّة. وعينه الآن على تامبا ليترجم ما حقّقه حتّى الساعة نتائج ملموسة كما تفهمها الدّول كلّها، ما عدا لبنان للأسف.
فيما الرّسالة الرابعة كانت قبليّة خطّها مهندس الأمن القومي الأميركي ومهندس المرحلة القادمة في لبنان والشرق الأوسط، عنيت هنا وزير الخارجيّة الأميركي ماركو روبيو الذي أسمع سلام ما يجب أن يسمعه عن السلام. وهو، أي روبيو، صاحب نظريّة بناء السياسة الخارجيّة الأميركيّة على المصلحة القوميّة. إذ يرى روبيو أنّ الولايات المتّحدة يجب أن تعيد ترتيب أولويّاتها بدل أن تحاول معالجة أزمات العالم كلّه وبالدّرجة نفسها.
فقراءة أميركا للدولة اللبنانية تنطلق من موقف هذه الدّولة من سلاح حزب الله وارتباطها العضوي بإيران، وقدرتها على بناء سلام مستدام واستراتيجي مع إسرائيل من خلال المفاوضات الإقليميّة المباشرة. بغضّ النّظر عن سعيه لانتزاع التزام من الطّرف الإسرائيلي أيضًا، وهو يعلم أنّه يستطيع ذلك كما يعلم أنّ الدّولة اللبنانيّة التي تحدّث باسمها سلام في واشنطن لا تستطيع إعطاءه هذا الالتزام.
هذه المؤشّرات كلّها تفضي إلى خلاصة واحدة وهي أنّ صرخة نريد الدّولة غير قابلة للصرف من قبل هذه الدّولة العاجزة على أن تكون حيث لا يجرؤ الآخرون. والأخطر باتت اليوم أمام مواجهة جديدة رباعيّة الأبعاد: جولة تامبا في العشرين منه، الانتخابات الإسرائيليّة في27 الحالي، والأميركيّة في 7 نوفمبر، وانتهاء ولاية اليونيفيل في نهاية العام.
هذه الأبعاد الأربعة تبعد شبح الحرب الشاملة، إلّا إذا الإيراني أقدم على الخطوة الانتحاريّة الكبرى. وهذا ما يترك خشية من تحوّل هذا الستاتيكو إلى نوع من تسوية غير معلنة بانتظار أن يقرّر المهندس الأكبر حسم الأمر في الملفّ اللبناني. ولعلّ هذا ما قد يشكّل بالنسبة إليه مشروع ترشيحه للرئاسة من قبل الحزب الجمهوري ليكون الخلف الأصلب بعد الرئيس ترامب في العام 2028.
وحتّى تلك اللحظة، هل تبقى الدّولة في لبنان محنّطة بفعل إراديّ ذاتيٍّ بانتظار أن يأتي من يحلّ عنها هذه اللعنة؟ أمّ أنّ تداعيات الملفّ الاقتصادي الضاغط إلى حدّ الاختناق الاجتماعي، الذي من المحتمل أن ينفجر في أيّ لحظة، ستشكّل هذه التداعيات شرارة السقوط الأكبر؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير