بانوراما الأسبوع : التغيير قادم من الإقليم إلى لبنان
كلّ ما يحصل في المنطقة من باب المندب إلى هرمز إلى أبواب الضاحية هي سلسلةٌ مترابطةٌ هدفها واحد : الانتهاء من الأذرع الإيرانيّة. وذلك بسبب نجاح إيران في المرحلة السابقة في بناء بيئةٍ أمنيّةٍ إقليميّةٍ واحدةٍ، واحتمال توسُّعٍ في الحرب بات أقرب إلى رفع اتّساع المواجهة بين إيران وشبكة حلفائها من جهةٍ، والولايات المتّحدة و إسرائيل وحلفائهما من جهةٍ أخرى. وهذا ما سيتمّ ترجمته برفض أيّ مطالب ديبلوماسيّة بعد اليوم. ويبدو أنّ الرفض سيكون من الجهات كلّها وفي مختلف الاتّجاهات. فهذه الأبواب قد أُقفلت...
خاص بوابة بيروت
التَّحضير لمفاوضات تَامْبَا Tampa تحت إشراف القيادة المركزية الأميركيّة على قدمٍ وساق. والميدان في الجنوب يزداد لهيبًا. وما خطف المشهد في اللحظات الأخيرة هو الإقليم. واقتصاديًّا، تقف إيران أمام واحدة من أصعب مراحلها، مع اقتصادٍ متراجعٍ وتضخّمٍ يقدّره صندوق النقد الدولي بنحو 68.9% في 2026، فيما يُتوقّع انكماش الناتج بنحو 5.4%. وتجاوز سعر الدولار في السوق نحو 2.68 مليون ريال. فإلى أين؟
الإقليم يشتعل
إعلان رئيس مجلس القيادة في اليمن رَشَادُ العُلِيْمِي بدء العمليات العسكريّة لاستعادة ما تبقّى من أراضي الجمهوريّة وبسط سلطة الدّولة ومؤسّساتها على كافّة التّراب اليمني خطف المشهد. لقد أعطى العُلِيْمِي توجيهاته إلى كلّ القوّات اليمنيّة في تنفيذ مهامّها المقرّرة لتحرير اليمن من الميليشيات الحُوثيّة بشكلٍ نهائيّ. وذلك بعد هجوم حوثيّ أدّى إلى توسُّع سيطرتهم قرب مناطق استراتيجيّة على البحر الأحمر وباب المندب. كما تحدّثت تقارير عن ضربات على صنعاء وصعدة، بينما أعلن الحوثيّون عن هجمات على منشآت سعوديّة في أرامكو.
فضلًا عن ذلك، تمّ الإفصاح في موقع “واللا الإسرائيليّ” Walla عن وجود 3000 جنديّ نشرها الجيش الأميركيّ في إسرائيل. يُضاف إلى هذا المشهد التَّعثّر الديبلوماسيّ اللبنانيّ والعجز التنفيذيّ، في واقعٍ اقتصاديٍّ مؤلمٍ جدًّا فشلت وسطه الدّولة اللبنانيّة باستعادة حضورها، ولو بطريقةٍ تدريجيّة من بوّابة عاصمة جَبَلِ عَامِلْ في الجنوب، أي مدينة النَّبَطِيَّة.
فعمليّة إطلاق رئيس الحكومة مشاريع إعادة إعمار ومرافق حكوميّة وأمنيّة كانت محاولةً واضحةً لإظهار أنَّ الدّولة تريد العودة إلى الجنوب بوصفه مساحةً سياديّةً وإداريّةً لبنانيّةً. وهذا ما قوبل بترحيبٍ من بعض الأهالي، مثّل رأيهم رئيس البلديّة، ورفضٍ من بعضهم الآخر الذين لا زالوا مصرّين على الانتحار الجماعي.
الملفّ اللبناني
كما برز تطوّرٌ لافتٌ في الملفّ اللبنانيّ الذي، على ما يبدو، لم يعد محصورًا بالعلاقة بين بَيْرُوتَ وتَلَّ أبِيْبْ. فقد بحث وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو رُوبْيُو مع العاهل الأردنيّ الملك عبدالله الثاني اتّفاق الإطار اللبنانيّ – الإسرائيليّ وحصريّة سلاح حزب الله. وهذا ما تحدّثت عنه بعض المصادر الإعلاميّة عن إمكانيّة البحث عن أيّ دورٍ عربيٍّ إمّا لدعم المؤسّسات اللبنانيّة وأوّلها مؤسّسة الجيش اللبنانيّ، وإمّا وفقًا لما تراه واشنطن من حيث إعادة ترتيبٍ إقليميّةٍ أوسع، وليس مجرّد نزاعٍ حدوديٍّ لبنانيٍّ ـ إسرائيليٍّ.
فما يطلبه لبنان، إنّما بنظر واشنطن يأتي من دون أيّ مقابلٍ تنفيذيٍّ. لذلك هو مرفوضٌ بنظر الإدارة الأميركيّة التي يبدو أنّها انتقلت إلى مرحلة الحزم الشديد، مع معلوماتٍ وردت عن أنّ الملفّ اللبنانيّ بات بإشرافٍ مباشرٍ من قِبل وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، الذي يعتبر هذه القضيّة هي قضيّة أمنٍ قوميٍّ، وهي تشكّل بالنسبة إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة تحدّيًا واضحًا للمرحلة القادمة. ولا يمكن في هذا السياق التغاضي عن المصالح الانتخابيّة التي يبحث عنها صنّاع القرار الأميركيّون المستقبليّون، وعلى رأسهم الوزير روبيو.
وهذا ما قد يترجم عمليًّا في الأيّام القادمة مع التطوّرات التي استجدّت في اليمن إلى احتمال توسيع العمليّات العسكريّة الإسرائيليّة بسبب عدم إحراز أيّ تقدّمٍ في نزع سلاح منظّمة حزب الله. وفي تسريباتٍ ظهرت في المصادر الإعلاميّة والديبلوماسيّة الإسرائيليّة، تمّ الحديث عن تهديداتٍ إسرائيليّةٍ بالوصول عسكريًّا إلى بيروت إذا لم يُنفَّذ نزع السلاح، وعن مطالب إسرائيليّةٍ بتوسيع انتشار الجيش في جبل الريحان وإقليم التفّاح. ولم تعد هذه المسألة مستبعدةً بالنّظر إلى أرض الواقع، فالجغرافيا اللبنانيّة هي التي ترسم طريق الميدان عسكريًّا. ويبدو أنّ الطريق باتّجاه الأبعد بات سالكًا.
السيادة والاختبار
يبقى أنّ الإعلان عن السيادة شيءٌ وممارستها شيءٌ آخر مختلف. صحيحٌ أنّ الرئاسة والحكومة تعلنان التزامهما بحصريّة السلاح بشكلٍ دائمٍ، وفي مختلف اللقاءات الدّوليّة والإقليميّة وحتّى المحلّيّة. كما أنّ الرئيس جُوزَافْ عَون أكَّد سابقًا أنَّ الهدف هو ألّا يبقى في لبنان سلاحٌ خارج القوى الشرعيّة. لكنّ هذا تزامن مع استمرار منظّمة حزب الله بتعنّتها، لا بل بارتفاع وتيرة تهديداتها للدّولة من خلال مهاجمة نوّابها الحكومة بسبب عدم قدرتها على حمايتهم من الغارات الإسرائيليّة، بعدما استجلبوها إلى عقر دارهم، متّخذين من ذلك ذريعةً لإبقاء «حقّ الدفاع» مفتوحًا.
فكلّ ما يحصل في المنطقة من باب المندب إلى هرمز إلى أبواب الضاحية هي سلسلةٌ مترابطةٌ هدفها واحد: الانتهاء من الأذرع الإيرانيّة. وذلك بسبب نجاح إيران في المرحلة السابقة في بناء بيئةٍ أمنيّةٍ إقليميّةٍ واحدةٍ، واحتمال توسُّعٍ في الحرب بات أقرب إلى رفع اتّساع المواجهة بين إيران وشبكة حلفائها من جهةٍ، والولايات المتّحدة وإسرائيل وحلفائهما من جهةٍ أخرى. وهذا ما سيتمّ ترجمته برفض أيّ مطالب ديبلوماسيّة بعد اليوم. ويبدو أنّ الرفض سيكون من الجهات كلّها وفي مختلف الاتّجاهات. فهذه الأبواب قد أُقفلت.
التغيير الوشيك
فالملفّ اللبنانيّ انتقل من مرحلة الانتظار إلى مرحلة اختبار القدرة على فرض الوقائع. فالميدان الإسرائيليّ يرفع منسوبه تباعًا، وباعتقادي سيرفع وتيرة سرعته أكثر تماشيًا مع ما قد يحدث في الإقليم. وواشنطن تحاول مع الضوء الأخضر الميدانيّ السعي إلى توسيع إدارة الملفّ اللبنانيّ عربيًّا، ولو بطريقةٍ تكتيكيّةٍ وخجولةٍ، باعتقادي لن تؤتي بأيّ نتائج مرتقبة. لأنّ قدرة الدّولة على فرض قرارٍ أمنيٍّ واحدٍ لا تزال موضع اختبار.
زد على ذلك أنّ تداعيات الإقليم ستفتح مسار طرقاتٍ جديدة أمام الإسرائيليّ في لبنان، لأنّ هذا ما سيضيّق هامش المناورة الذي أساسًا منطلقاته ضعيفةٌ بيد السلطة اللبنانيّة. وتمّ سحق المنطلقات غير الشرعيّة التي كانت تمتلكها المنظّمة بواسطة القوّة المفرطة.
برغم تمسّك بيروت بالتفاوض الذي تضيق هوامشه كلّ يومٍ أكثر، يبقى أنّ انتظار الخرق أفضل بكثيرٍ من الحرب التي نعيش تداعياتها. ولكنّ هذا التأخير لم يعد أبدًا في صالح بقاء «الجمهوريّة اللبنانيّة» كما عهدناها. وهذا ما يجب أن يفهمه الأطراف السياسيّون كلّهم. لأنّ ما يحدث أكبر بكثيرٍ من قدرة بعض المنظّرين أو المراهنين على الأوهام. فالتغيير حتميٌّ ووشيكٌ. ولن يحدث أيّ تغييرٍ جذريٍّ في لبنان قبل الانتهاء من هذه المسارات كلّها.
وحتّى تلك الساعة، أيّ اقتصادٍ متهالكٍ ممكنٌ أن يصمد أكثر؟ أيّ مجتمعٍ يموت كلّ يومٍ مليون مرّةٍ يمكن أن يصمت أكثر؟ وأيّ جريءٍ يستطيع أن يحمل كرة النّار هذه ويمضي حيث لم يجرؤ آخرون قبله على المضي؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير