خاص بوابة بيروت
لبنان الجديد في طور الولادة. فهل يستطي، بعد الحرب الأخيرة والتحولات العميقة التي تعصف بالشرق الأوسط، أن يعود إلى المعادلة السياسية والأمنية التي حكمته لعقود، أم أن ما يجري في المنطقة يفرض عليه الانتقال إلى صيغة جديدة تعيد تعريف الدولة، وتوازناتها الداخلية، وعلاقتها بجيرانها، ولا سيما إسرائيل، بما يضع حدًا نهائيًا للحروب المفتوحة ويؤسس لمرحلة مختلفة؟
في تقديري، لا يستطيع لبنان، بعد انتهاء هذه المرحلة التحولية في الشرق الأوسط، أن يعود إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل السابع من أكتوبر. فما يحدث في المنطقة ليس مجرد جولة جديدة من الصراع يمكن أن تنتهي بترتيبات أمنية مؤقتة ثم تعود الأمور بعدها إلى ما كانت عليه. نحن أمام تحولات ذات دلالة جيوستراتيجية عميقة، تعيد رسم الخريطة السياسية للمنطقة؛ وإذا لم يكن ذلك عبر تعديل الحدود الجغرافية للدول، فعلى الأقل من خلال إعادة تشكيل دوائر النفوذ التي سترسم ملامح الشرق الأوسط الجديد.
ولبنان، بحكم موقعه وتركيبته وتداخل أزماته الداخلية مع الصراعات الإقليمية، لا يستطيع أن يعزل نفسه عن هذا التحول الكبير. بل إن محاولة العودة إلى المعادلات القديمة قد تكون أخطر من مواجهة التحول نفسه.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى الانتقال نحو صيغة سياسية جديدة قادرة على استيعاب موجات التغيير المقبلة، وهي موجات تقترب بقوة أشبه بالتسونامي. وفي رأيي، لا يمكن لهذا الانتقال أن يتم في إطار الدولة المركزية بصيغتها الحالية، بعدما أثبت هذا النموذج عجزه في معظم المجالات، من إدارة المؤسسات إلى تأمين الخدمات، ومن حماية السيادة إلى تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي.
لذلك أرى ضرورة الانتقال نحو جمهورية اتحادية ومحايدة، تقوم على نظام فدرالي يتيح لجميع المكونات اللبنانية أن تحافظ بحرية على قناعاتها الوجودية وأن تعيش وفقًا لخياراتها، ضمن دولة واحدة ذات سيادة، بدل أن يبقى الاختلاف بين اللبنانيين سببًا دائمًا للصراع على السلطة وعلى هوية الدولة ووظيفتها.
ولا أطرح الفدرالية هنا بوصفها مجرد تقسيم إداري للأرض، بل بوصفها محاولة لإعادة بناء العقد السياسي اللبناني على أساس كيانيّ جديد. منطلقه الفلسفة الكيانية اللبنانية التي تقوم على الحفاظ على جوهر وجود لبنان التعددي. فالنظام الاتحادي يمكن أن يخلق دولة أكثر قدرة على محاسبة مؤسساتها ومسؤوليها، وفي الوقت نفسه يضمن للمواطن، الذي يدفع ضرائبه، مستوى أعلى من الخدمات العامة، بحيث تتحمل كل وحدة اتحادية مسؤولية إدارة الخدمات الواقعة ضمن صلاحياتها.
والأهم أن هذا النموذج يمكن أن يفتح الباب أمام إعادة تعريف ميزان القوى الداخلي. فبدل أن يقوم هذا الميزان على قدرة طرف سياسي أو طائفي على فرض إرادته على الآخرين، يصبح معيار التنافس هو قدرة كل مكوّن على تقديم حكم أفضل وخدمات أفضل لمن يختارون الانتماء إليه.
لكن أي صيغة سياسية جديدة ستبقى ناقصة ما لم تُحسم أولًا مسألة الدولة نفسها: من يملك قرار الحرب والسلم؟ ومن يحتكر القوة المسلحة؟ وهل يمكن بناء دولة جديدة فيما يستمر وجود قوة عسكرية وأمنية وسياسية موازية للدولة؟ وهل يمكن بناء سلطة جديدة على قاعدة عفا الله عمّا مضى؟
حتى الآن، لا يبدو أن السلطات اللبنانية الحالية تعاملت مع مسألة سلاح منظمة حزب الله بالجدية المطلوبة. وقد يكون ذلك مرتبطًا، جزئيًا، باستمرار بقايا البنية التنظيمية لهذه المنطمة في مواقع مؤثرة من عملية صنع القرار الأمني والسياسي والعسكري في لبنان.
إلى جانب ذلك، لا تزال الدولة العميقة الموازية التي بنتها منظمة حزب الله إلى جانب الدولة الرسمية، والتي يتولى نبيه بري رأس هرمها السياسي، تشكل عاملًا معرقلًا لقدرة الحكومة على المضي قدمًا في مسار الإصلاح وإعادة بناء الدولة.
كما أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لا يبدوان، حتى الآن، أنّهما قد اتخذا القرار السياسي الحاسم في مواجهة حزب الله، وفقًا لقرارات مجلس الوزراء التي اتُّخذت في جلسة 7 آب 2025، والمتصلة بحصر السلاح بيد الدولة وحل الأجنحة الأمنية والعسكرية للحزب.
أما الحديث عن احتمال اندلاع حرب أهلية جديدة، فلا أعتقد أنه السيناريو الأكثر ترجيحًا. فالحرب الأهلية تحتاج، بطبيعتها، إلى أكثر من طرف مسلح. وفي الحالة اللبنانية، فإن السلاح المنظم خارج مؤسسات الدولة يتركز بصورة أساسية لدى حزب الله. وإذا اختار الحزب مواجهة الجيش اللبناني، فقد يؤدي ذلك إلى تدخل دولي واسع، لأن استمرار الوضع على النحو الذي عرفه لبنان في العقود الماضية لم يعد مقبولًا دوليًا وإقليميًا.
بل إن مثل هذا التطور قد يمنح إسرائيل هامشًا واسعًا للتحرك لإنهاء ما يمكن وصفه بتحدي منظمة حزب الله للدولة اللبنانية وللمجتمع الدولي، إذا ما ارتكب الحزب خطوة بهذا الحجم من الخطورة.
غير أن معالجة مسألة السلاح لا يمكن أن تكون منفصلة عن السؤال الأوسع المتعلق بمستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل. فالترتيبات الأمنية التقليدية التي عرفها البلدان في أعوام 1996 و1998 و2000 و2006 و2024 لم تعد، في تقديري، كافية للمرحلة المقبلة. فهي تنتمي إلى منطق إدارة الصراع، لا إلى منطق إنهائه.
المطلوب اليوم هو الاستمرار في المفاوضات المباشرة بقيادة رئيس الجمهورية، عملًا بالمادة 52 من الدستور اللبناني، بهدف الوصول إلى اتفاق سلام مستدام واستراتيجي بين البلدين، يضع حدًا لحالة الحرب الدائمة التي عاشها لبنان وإسرائيل لعقود.
ولا يعني ذلك، بأي شكل من الأشكال، القبول باتفاق مفروض أو باستسلام سياسي. بل إن أي اتفاق مستدام يجب أن يقوم على المبادئ السيادية التي يكرسها الدستور اللبناني، بما في ذلك تحرير الأراضي واستعادة الأسرى، إلى جانب مختلف الترتيبات المرتبطة بالمرحلة الجديدة، من دعم الجيش اللبناني إلى إعادة الإعمار وسائر الإجراءات القادرة على تثبيت سلام استراتيجي طويل الأمد.
فالسلام، إذا أريد له أن يكون مستدامًا، لا يمكن أن يكون مجرد غياب مؤقت للحرب، بل يجب أن يتحول إلى إطار سياسي واقتصادي جديد.
ومن هنا، يمكن للبنان أن ينتقل من موقع الدولة العاجزة أو المتلقية للمساعدات إلى موقع الشريك في شراكة اقتصادية شرق أوسطية أوسع، ولا سيما في مجالات الطاقة والغاز الطبيعي الموجود في شرق المتوسط. فالفرصة ليست فقط في وقف الحرب، وإنما في تحويل السلام إلى مصدر جديد للإيرادات والنمو والاستقرار، بما يسمح للدولة اللبنانية بأن تصبح شريكًا في السوق الإقليمية الناشئة، لا دولة فاشلة أو تابعة أو رهينة لمعادلات الآخرين.
لكن كل ذلك يبقى مشروطًا بسلام يحفظ كرامة الدولة اللبنانية وسيادتها. فلا يمكن أن يكون السلام نتيجة استسلام تفرضه قوة السلاح، ولا يمكن أن يكون اتفاقًا ينتزع من لبنان تحت ضغط القوة العسكرية.
لأن البديل قد يكون أكثر خطورة: أن يُفرض الاتفاق في نهاية المطاف على الدولة اللبنانية بقوة ساحقة، عندها لن يكون السؤال فقط عن شكل الاتفاق، بل عن الثمن الذي سيدفعه لبنان، وعن حجم الدولة التي ستبقى للبنانيين بعد ذلك.
لقد أثبت التاريخ اللبناني، منذ اتفاق الهدنة عام 1949 مرورًا بتفاهم نيسان 1996 والقرار 1701 بعد حرب 2006، أن الترتيبات المؤقتة تستطيع أن تؤجل الانفجار، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع سلامًا دائمًا. وما يختلف اليوم هو أن الشرق الأوسط نفسه يدخل مرحلة مختلفة، وأن لبنان لم يعد يملك ترف الانتظار إلى أن تنتهي التحولات من حوله ثم يقرر ماذا يفعل.
فهل يمتلك لبنان، هذه المرة، القدرة السياسية على أن يكون شريكًا في صناعة النظام الإقليمي الجديد، أم أنه سيترك الآخرين يرسمون مستقبله، ثم يجد نفسه مجددًا أمام واقع مفروض لا يملك سوى التكيّف معه؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير