من لبنان إلى اليمن : من يدير صواريخ الحوثيين؟ شهادات عن دور حزب الله والحرس الثوري في قلب التصعيد ضد السعودية “3”

لقد مثّلت مشاركة حزب الله العسكرية في الحرب السورية نموذجاً واضحاً لتجاوز سلطة الدولة اللبنانية في اتخاذ قرارات الحرب والسلم، فيما أثارت علاقاته بفصائل مسلحة في العراق، والمعلومات المتعلقة بدوره العسكري في اليمن، تساؤلات متزايدة حول طبيعة نشاطه الإقليمي والجهات التي تحدد أولوياته العسكرية...

خاص بوابة بيروت

لبنان أمام مسؤولياته: سلاح حزب الله وامتداداته العابرة للحدود تهديد للسيادة والأمن الإقليمي

لم يعد ملف سلاح حزب الله اللبناني قضية داخلية تتعلق بتوازنات السلطة أو الخلافات السياسية حول الاستراتيجية الدفاعية، بل أصبح قضية تتصل بسيادة الدولة اللبنانية وأمن دول المنطقة، في ظل سجل طويل من التدخلات العسكرية الخارجية والاتهامات المرتبطة بأنشطة أمنية وشبكات تمويل وتهريب عابرة للقارات. فمن سوريا إلى العراق واليمن، ارتبط اسم الحزب بأدوار عسكرية وأمنية تجاوزت الحدود اللبنانية، بينما كشفت تحقيقات وإجراءات قضائية وأمنية دولية عن شبكات وأفراد مرتبطين به في أوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، شملت اتهامات بغسل الأموال والاتجار بالمخدرات وتمويل أنشطة غير مشروعة.

لقد مثّلت مشاركة حزب الله العسكرية في الحرب السورية نموذجاً واضحاً لتجاوز سلطة الدولة اللبنانية في اتخاذ قرارات الحرب والسلم، فيما أثارت علاقاته بفصائل مسلحة في العراق، والمعلومات المتعلقة بدوره العسكري في اليمن، تساؤلات متزايدة حول طبيعة نشاطه الإقليمي والجهات التي تحدد أولوياته العسكرية.

وتكشف هذه التحركات عن إشكالية سيادية جوهرية: كيف يمكن لتنظيم مسلح يعمل من داخل دولة ذات سيادة أن يحتفظ بقدرة مستقلة على التدخل في نزاعات خارجية، بينما تتحمل الدولة اللبنانية وشعبها التداعيات السياسية والأمنية والاقتصادية المرتبطة بتلك الأنشطة؟

ولا يعني ذلك أن الحكومة اللبنانية وافقت على هذه التدخلات أو أصدرت قرارات بالسماح بها.

غير أن معارضة السلطات الرسمية لسلاح الحزب أو لأنشطته الخارجية لا تكفي وحدها لمعالجة المشكلة. فاستعادة السيادة تتطلب إجراءات مؤسسية فعلية تضمن حصرية السلاح بيد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الشرعية، وإنهاء أي سلطة عسكرية موازية تستطيع اتخاذ قرارات أمنية أو تنفيذ عمليات خارج الحدود بمعزل عن المؤسسات الدستورية.

وتستند هذه المسؤولية إلى مرجعية دولية واضحة، إذ دعا قرار مجلس الأمن رقم 1559، الصادر في 2 أيلول/سبتمبر 2004، إلى حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها.

كما أكد القرار رقم 1701، الصادر في 11 آب/أغسطس 2006، المبادئ المتعلقة ببسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل أراضيها، وعدم وجود أسلحة أو سلطة خارج إطار الدولة، مع الإحالة إلى اتفاق الطائف والقرارات الدولية ذات الصلة.

وتشكل هذه المرجعيات أساساً قانونياً وسياسياً للمطالبة بإنهاء الازدواجية المسلحة واستعادة احتكار الدولة لقرار استخدام القوة.

وفي ضوء ذلك، بات مطلوباً من الحكومة اللبنانية الانتقال من المواقف السياسية إلى برنامج تنفيذي واضح لحصر السلاح بيد الدولة، تتولى تطبيقه المؤسسات العسكرية والأمنية المختصة وفق الدستور والقانون، مع ضمان عدم انزلاق البلاد إلى مواجهة أهلية جديدة.

ويجب أن يشمل هذا المسار تفكيك البنى العسكرية غير الخاضعة للسلطة الشرعية، وملاحقة شبكات التمويل والتهريب التي يثبت ارتباطها بأنشطة إجرامية، وتعزيز التعاون القضائي الدولي لتبادل الأدلة وتعقب المطلوبين، بما يمنع استخدام الأراضي اللبنانية أو مؤسساتها غطاءً لعمليات مسلحة خارجية.

ولا يمكن أن تبقى القيادات أو العناصر التي تثبت مسؤوليتها عن جرائم إرهابية أو هجمات غير مشروعة خارج نطاق المساءلة بسبب موقعها السياسي أو التنظيمي. فالمطلوب تحقيقات قضائية مستقلة تشمل من أصدر الأوامر أو موّل أو خطط أو شارك في التنفيذ، وإحالة من تتوافر بحقهم أدلة كافية إلى محاكم مختصة ومستقلة، تكفل المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع وقرينة البراءة.

كما ينبغي ألا تتحول المساءلة إلى عقاب جماعي للبيئة الاجتماعية التي ينشط فيها حزب الله الإرهابي، بل أن تستهدف المسؤوليات الجنائية الفردية والأفعال المحددة.

إن استمرار وجود قوة مسلحة تتخذ قراراتها خارج المؤسسات الدستورية يمثل تحدياً مباشراً لمفهوم الدولة، ويضع لبنان أمام خيار مؤسسي حاسم: إما استكمال بناء سلطة شرعية تحتكر السلاح وتخضع جميع القوى للقانون، وإما استمرار ازدواجية القرار العسكري وما تحمله من مخاطر على السيادة والعلاقات الإقليمية وأمن المواطنين.

ولا ينبغي أن يدفع الشعب اللبناني ثمن أنشطة عسكرية خارجية لم يقررها عبر مؤسساته الشرعية، ولا أن تتحول أزمات البلاد إلى ذريعة لتأجيل استعادة سلطة الدولة.

وعليه، فإن نزع سلاح حزب الله وإخضاع نشاطه وقياداته للقانون، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن جرائم داخل لبنان أو خارجه، ليست مجرد مطالب سياسية، بل جزء من مسار استعادة السيادة اللبنانية وترسيخ سيادة القانون. فالدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم تبقى سيادتها منقوصة، وأي تنظيم يحتفظ بسلطة عسكرية مستقلة ويستخدمها خارج الحدود يضع نفسه أمام مسؤوليات تتجاوز الحسابات السياسية المحلية إلى نطاق القانون والأمن الدوليين.

في الختام: من الإدانة إلى المحاكمة… هل تتحرك جامعة الدول العربية لإنشاء محكمة جنائية لملاحقة قادة حزب الله؟

لم تعد الأنشطة العسكرية والأمنية المرتبطة بحزب الله اللبناني مسألة يمكن حصرها في الخلافات الداخلية اللبنانية أو في الصراع الإقليمي مع إسرائيل. فقد امتدت تدخلاته المسلحة إلى سوريا، وارتبط اسمه بدعم وتدريب فصائل مسلحة في العراق واليمن، فيما شهدت دول عربية، بينها السعودية والبحرين والكويت والإمارات، قضايا وتحقيقات أمنية وقضائية تناولت خلايا وشبكات اتُّهمت بالارتباط بالحزب أو العمل لمصلحته.

ويضاف إلى ذلك ما كشفته تحقيقات وإجراءات دولية بشأن أفراد وشبكات مرتبطة به في أنشطة غسل الأموال والاتجار غير المشروع عبر مناطق من أفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.

وتكشف هذه الوقائع والاتهامات عن قضية تتجاوز حدود الدولة اللبنانية، وتتصل بحق الدول العربية في حماية سيادتها وأمن سكانها من التدخلات المسلحة والأنشطة السرية العابرة للحدود.

كما تطرح سؤالاً جوهرياً حول جدوى الاكتفاء بالمواقف الدبلوماسية والإدانات السياسية، في مواجهة تنظيم يحتفظ بقدرات عسكرية مستقلة ويُتهم بالمشاركة في عمليات تؤثر في أمن دول عربية متعددة.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مبادرة تتبناها جامعة الدول العربية لإنشاء محكمة جنائية عربية متخصصة في الجرائم الإرهابية والاعتداءات المسلحة العابرة للحدود، تكون لها صلاحية النظر في الجرائم الخطيرة التي تمس أمن الدول الأعضاء، وملاحقة الأشخاص الذين تثبت الأدلة تورطهم في التخطيط لها أو إصدار الأوامر بتنفيذها أو تمويلها أو المشاركة فيها.

ولا ينبغي أن تكون هذه المحكمة أداة لتصفية الحسابات السياسية، بل مؤسسة قضائية مستقلة تقوم على الأدلة والاختصاص القانوني وضمانات المحاكمة العادلة.

ويمكن أن يشمل اختصاصها الجرائم التي تُرتكب ضمن عمليات منظمة عابرة للحدود، والجرائم الإرهابية المحددة في نظامها الأساسي، وجرائم الحرب التي تتوافر بشأنها شروط الاختصاص، مع وضع قواعد واضحة للمسؤولية الجنائية الفردية والتعاون القضائي وتسليم المطلوبين وحماية الشهود والضحايا.

ويجد هذا المقترح أساسه المؤسسي في المادة الثانية من ميثاق جامعة الدول العربية، التي تجعل من صيانة استقلال الدول الأعضاء وسيادتها وتنسيق التعاون بينها أحد الأهداف الرئيسية للجامعة.

كما تتيح المادة التاسعة للدول الراغبة إبرام اتفاقات تعاون أوثق فيما بينها، بينما تنظم المادة التاسعة عشرة تعديل الميثاق بموافقة ثلثي الدول الأعضاء، وهو ما يفتح مجالاً قانونياً لتطوير البنية المؤسسية للجامعة وإنشاء آليات قضائية جديدة وفق اتفاق دولي ملزم للدول المنضمة إليه.

وتعزز الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب لعام 1998 الأساس القانوني للتعاون بين الدول العربية في مواجهة الجرائم الإرهابية، من خلال أحكام تتعلق بالتجريم والتعاون القضائي وتبادل المعلومات والمساعدة القانونية وتسليم المجرمين وفق الشروط المقررة.

غير أن إنشاء محكمة جنائية عربية يتطلب اتفاقاً تأسيسياً مستقلاً يحدد الجرائم الداخلة في اختصاصها، وحدود ولايتها، وعلاقتها بالقضاء الوطني، وآليات تنفيذ أحكامها.

وفي ضوء ما شهدته المملكة العربية السعودية واليمن وسوريا والعراق ودول عربية أخرى من تدخلات مسلحة واتهامات بأنشطة أمنية مرتبطة بحزب الله، يمكن أن يشكل هذا المقترح بداية لمسار عربي مشترك لجمع الأدلة وتبادل الملفات القضائية وتحديد المسؤوليات الفردية.

وينبغي أن يشمل ذلك التحقيق في أدوار القيادات والعناصر التي تتوافر بحقها أدلة جدية على ارتكاب جرائم تدخل ضمن اختصاص المحكمة المقترحة، دون استثناء بسبب الموقع السياسي أو النفوذ العسكري.

كما أن مسؤولية الدولة اللبنانية في استعادة حصرية السلاح والقرار العسكري لا تتعارض مع مسؤولية الدول العربية المتضررة عن ملاحقة الجرائم التي وقعت على أراضيها أو استهدفت سكانها ومصالحها المحمية قانوناً. فالمساران متكاملان: استعادة السيادة داخل لبنان، وبناء آلية قضائية عربية تمنع إفلات مرتكبي الجرائم العابرة للحدود من العقاب.

لقد آن الأوان لأن تنتقل جامعة الدول العربية من الاكتفاء بإدانة التدخلات المسلحة إلى بحث آليات قانونية وقضائية قادرة على التعامل معها. فسيادة الدول لا تُحمى بالبيانات وحدها، وحقوق الضحايا لا تتحقق بالعقوبات السياسية فقط، وإنما بتحقيقات مستقلة ومحاكمات عادلة وأحكام قابلة للتنفيذ.

إن الدعوة إلى إنشاء محكمة جنائية عربية لمساءلة قادة حزب الله وغيرهم ممن تثبت مسؤوليتهم عن جرائم عابرة للحدود ليست دعوة إلى الانتقام السياسي، بل إلى إنهاء الإفلات من العقاب. فحين تتجاوز الجرائم حدود دولة واحدة، يصبح التعاون القضائي بين الدول المتضررة ضرورة لحماية السيادة والعدالة والأمن العربي المشترك.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك