مجلس النواب اللبناني… ديمقراطية أم ارادة فردية ؟
هل نحن أمام مجلس نيابي يمارس صلاحياته باستقلالية، أم أمام مؤسسة دستورية تدور قراراتها في فلك إرادة رئيسها؟ وأين تبدأ الديمقراطية وأين تنتهي، إذا كانت إرادة 128 نائباً تبدو تفصيلاً أمام إرادة شخص واحد؟
خاص بوابة بيروت
يقول رئيس مجلس النواب اللبناني، الأستاذ نبيه بري، بثقة مطلقة، إن إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل لن يمرّ في المجلس النيابي. وكأن الرجل يتحدث باسم المجلس ويختصر إرادة أعضائه الـ128 بشخصه الكريم، من دون أن يقيم وزناً لاستقلالية النواب أو لحقهم في ممارسة مسؤولياتهم التشريعية والوطنية.
إن إلغاء القانون المذكور قد يكون مفيداً للبنان، كما قد يكون غير ذلك. فهذه مسألة تخضع للنقاش والتقييم انطلاقاً من المصلحة الوطنية، بعيداً عن المواقف المسبقة والحسابات السياسية. لكن المسألة الأكثر خطورة ليست في مصير القانون، بل في الطريقة التي يُعلَن بها حسم مصيره قبل أن يقول المجلس النيابي كلمته.
فحين يتحدث رئيس السلطة التشريعية بهذه اللغة، وكأن نتيجة التصويت محسومة بإرادته، يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام مجلس نيابي يمارس صلاحياته باستقلالية، أم أمام مؤسسة دستورية تدور قراراتها في فلك إرادة رئيسها؟ وأين تبدأ الديمقراطية وأين تنتهي، إذا كانت إرادة 128 نائباً تبدو تفصيلاً أمام إرادة شخص واحد؟
إن ما تكشفه هذه الواقعة يتجاوز قانوناً بعينه، ليضعنا أمام أزمة نظام سياسي اعتاد أن يتخذ من المؤسسات الدستورية واجهات شكلية، ومن الديمقراطية ستاراً لممارسات سلطوية كرّست النفوذ والتحكم بمفاصل الدولة ومصير اللبنانيين على مدى عقود.
وفي الوقت الذي يغرق فيه لبنان في واحدة من أحلك حقبات تاريخه الحديث، بين حرب مدمرة، وانهيار اقتصادي، ونزيف بشري لا يتوقف، وفقدان متزايد لثقة المواطنين بدولتهم وبمستقبلهم على أرض وطنهم، لا يزال اللبنانيون عاجزين عن إحداث أي تغيير حقيقي في بنية النظام السياسي وآليات حكمه.
المأساة اللبنانية ليست فقط في دولة عاجزة عن حماية شعبها وإنقاذ اقتصادها، بل أيضاً في نظام سياسي يبدو عاجزاً عن تجديد نفسه، حتى باتت المؤسسات التي يُفترض أن تجسّد إرادة الشعب أسيرة إرادات نافذة تتوارث النفوذ وتتحكم بالقرار.
فالديمقراطية ليست امتيازاً يمنحه الحاكم لمن يشاء، ولا تفويضاً مفتوحاً لشخص أو زعامة أو طائفة. إنها حق دستوري، ومساءلة، وتعددية، واستقلالية في اتخاذ القرار. أما حين تصبح إرادة الفرد أقوى من إرادة المؤسسة، فلا يعود الحديث عن ديمقراطية فعلية، بل عن سلطة تتقن ارتداء ثوب الديمقراطية فيما تمارس نقيضها.
لبنان لا يحتاج إلى من يتحدث باسم مجلسه النيابي، بل إلى مجلس يتحدث باسم اللبنانيين.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير