
صحافي استقصائي وباحث في حقوق الانسان
إيران تكذب وتتباکى في مجلس الأمن…
سجلّ من الإرهاب والعدوان يتحوّل إلى إتهامٌ للسعودية في مسرحية دبلوماسية بلا أي سند قانوني
خاص بوابة بيروت
في زمنٍ تتداخل فيه الوقائع بالادعاءات، وتُستبدل فيه الأدلة بالخطاب السياسي، برزت مؤخرًا مزاعم إعلامية منسوبة إلى رسالة إيرانية موجهة إلى مجلس الأمن بتاريخ 13 أبريل 2026، تتهم المملكة العربية السعودية بتمكين “العدوان” ضدها، وتطالب بتعويضات.
غير أن هذه المزاعم، قبل أن تُفحَص قانونيًا، تسقط أولًا في اختبار المصدر، فلا يوجد حتى الآن نص رسمي منشور لهذه الرسالة ضمن وثائق الأمم المتحدة، ولا رقم وثيقة يثبت إدراجها في السجل الأممي، ما يجعلها “في أحسن الأحوال” ادعاءً إعلاميًا أحاديًا لا يرقى إلى مستوى الحجة القانونية.
لكن، وحتى على فرض صحة هذه الرسالة شكلًا، فإن مضمونها ينهار أمام الوقائع الثابتة، ويكشف مفارقة صارخة، دولة متهمة أمميًا بالاعتداء على جيرانها، تسعى إلى الظهور في موقع الضحية، وتطالب بتعويضات من دولٍ كانت هدفًا مباشرًا لهجماتها.
السعودية، سياسة ضبط النفس في مواجهة الاستفزاز
المملكة العربية السعودية، التي تُستهدف اليوم بهذه المزاعم، كانت وما زالت أحد أعمدة الاستقرار في الشرق الأوسط. فمنذ اندلاع التوترات الإقليمية، انتهجت الرياض سياسة قائمة على ضبط النفس، وتغليب الحلول الدبلوماسية، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، رغم امتلاكها القدرة الكاملة على الرد.
بل إن الموقف السعودي الرسمي، المعلن قبل تفجر التصعيد، كان واضحًا وصريحًا: عدم السماح باستخدام الأراضي أو الأجواء السعودية لأي عمل عسكري ضد إيران.
هذا الموقف، الذي نُقل عبر قنوات رسمية في يناير 2026، يشكل قرينة قانونية وسياسية قوية تنفي أساس الادعاء الإيراني، وتضع عبء الإثبات كاملًا على طهران، التي لم تقدم “حتى الآن” أي دليل علني موثق يثبت عكس ذلك.
إيران وسجل الاعتداءات، الوقائع لا تُمحى برسالة
المفارقة الأبرز في هذه القضية أن إيران، التي ترفع اليوم شعار “التعويض”، هي نفسها من يمتلك سجلًا حافلًا من التدخلات والهجمات المباشرة وغير المباشرة ضد دول المنطقة.
في اليمن، دعمت طهران جماعة الحوثي التي أطلقت عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة باتجاه المدن السعودية، بما فيها محيط مكة المكرمة، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية والإنسانية. ففي يونيو 2017 أعلنت قوات التحالف اعتراض صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون باتجاه مكة، وفي أكتوبر 2016 ونوفمبر 2017 استهدفت صواريخ أخرى مدنًا سعودية رئيسية مثل الرياض وجدة.
وفي 14 سبتمبر 2019، تعرضت منشآت أرامكو في بقيق وخريص لهجوم واسع بطائرات مسيّرة وصواريخ كروز، تبنّاه الحوثيون، لكن تقارير دولية عدة ربطته بتقنيات ودعم إيراني مباشر، في واحدة من أخطر الهجمات على البنية التحتية للطاقة عالميًا.
أما في لبنان، فقد شكّل دعم إيران لـ**حزب الله** نموذجًا صارخًا لتصدير النفوذ عبر السلاح، حيث تورط الحزب في عمليات عسكرية خارج الحدود، وارتبط اسمه بملفات إرهابية دولية، فضلًا عن دوره في تقويض مؤسسات الدولة اللبنانية.
وفي العراق، دعمت طهران ميليشيات طائفية متعددة، تورطت في أعمال عنف وانتهاكات، وأسهمت في إضعاف سيادة الدولة، وتحويلها إلى ساحة صراع بالوكالة.
أمام هذا السجل، تبدو محاولة إيران تقديم نفسها كـ“ضحية عدوان” أقرب إلى إعادة صياغة للواقع، لا قراءة له.
الخلل القانوني، ادعاء بلا أركان
قانونيًا، لا يكفي أن تدّعي دولة أن دولة أخرى “سمحت” باستخدام أجوائها أو أراضيها لتُحمّلها مسؤولية “عمل عدواني”. فالقانون الدولي يشترط عناصر دقيقة لإثبات مثل هذه المسؤولية، أبرزها:
• وجود إذن صريح أو مشاركة مباشرة
• إثبات العلم المسبق بالفعل العسكري
• وجود علاقة سببية واضحة بين التسهيل المزعوم والضرر
وحتى اللحظة، لا يوجد أي دليل منشور يثبت تحقق هذه العناصر في الحالة السعودية. بل على العكس، يوجد موقف رسمي معلن ينفي الإذن، وسجل دبلوماسي يثبت التزام الرياض بخفض التصعيد.
أما المطالبة بـ“تعويضات كاملة”، فهي تفترض مسبقًا ثبوت المسؤولية، وهو ما لم يتحقق لا قانونيًا ولا واقعيًا، ما يجعل هذا الطرح أقرب إلى خطاب سياسي تصعيدي منه إلى مطالبة قانونية قابلة للنظر.
محاولة قلب الرواية، من المعتدي إلى المدّعي
ما تكشفه هذه الرسالة “إن صحت” هو محاولة إيرانية منهجية لقلب الرواية: تحويل الأنظار من سجلها في دعم الجماعات المسلحة والتدخل في شؤون الدول، إلى اتهام دول أخرى بالعدوان.
لكن هذه المحاولة تصطدم بوقائع ثابتة، وبقرارات دولية، وبمواقف رسمية موثقة، تجعل من الصعب تمريرها خارج إطار الدعاية السياسية.
في الختام، الحقائق أقوى من الرسائل
إن المزاعم المتداولة حول رسالة إيران إلى مجلس الأمن لا تستند، حتى الآن، إلى وثيقة رسمية منشورة، ولا إلى أدلة قانونية مكتملة، بل تتعارض مع سجل واضح من الوقائع التي تُظهر أن إيران كانت “ولا تزال” فاعلًا رئيسيًا في زعزعة استقرار المنطقة.
وفي المقابل، تبرز المملكة العربية السعودية كنموذج لدولة اختارت، رغم الاستفزازات، طريق التهدئة، ورفضت الانجرار إلى صراع مفتوح، وتمسكت بدورها كصمام أمان إقليمي، ساعيةً إلى إطفاء الحرائق لا إشعالها، وإلى بناء الاستقرار لا تصدير الفوضى.
ومن موقع المسؤولية القانونية والسياسية، فإن الرسالة التي ينبغي أن تُوجَّه إلى طهران اليوم ليست عبر الاتهامات، بل عبر الواقع: آن الأوان لإيران أن تراجع سياساتها جذريًا، وأن تكفّ عن دعم الجماعات المسلحة والميليشيات التي أسهمت في تدمير دول عربية وتمزيق مجتمعاتها، وأن تضع حدًا لنهج التدخل الذي لم يجلب لها إلا العزلة والتوتر.
كما أن عليها أن تتحمل مسؤوليتها تجاه شعبها أولًا، برفع القيود والضغوط التي تثقل كاهله، وتوجيه مواردها نحو التنمية بدل الصراعات، وأن تدرك أن مكانتها الحقيقية لا تُبنى عبر الصواريخ والوكلاء، بل عبر حسن الجوار واحترام السيادة.
لقد كشفت الوقائع الأخيرة حدود القوة الإيرانية، وأظهرت أن خطاب التصعيد لا يعكس دائمًا واقع القدرة، وأن المبالغة في استعراض النفوذ لا تصمد أمام الحقائق على الأرض.
وفي المقابل، فإن المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي تمضي في مسار مختلف، قوامه التنمية والاستقرار والشراكة الدولية، بعيدًا عن الحروب والدمار، وهو مسار يضع إيران أمام خيار واضح: إما الانخراط في منظومة إقليمية قائمة على التعاون والاحترام المتبادل، أو البقاء في دائرة التوتر والعزلة.
إن المسؤولية تقتضي من إيران، إن أرادت استعادة الحد الأدنى من الثقة، أن تبادر بخطوات واضحة، تبدأ بوقف دعم الجماعات المسلحة، وتمرّ بمراجعة سياساتها الإقليمية، ولا تنتهي في تقديم اعتذار سياسي وأخلاقي للدول والشعوب التي تضررت من تدخلاتها.
وفي ميزان القانون الدولي، لا تُبنى المسؤوليات على الاتهامات، بل على الأدلة… ولا تُمحى الوقائع برسائل، مهما بلغ صخبها.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير