
صحافي استقصائي وباحث في حقوق الانسان
خاص بوابة بيروت
استيقظ لبنان اليوم على خبر وفاة جمال حسن سليمان، الملقّب بـ“الحجحوج”… رجلٌ انتهت حياته، لكن لم ينتهِ أثره.
انتهى الجسد، وبقيت شبكةٌ كاملة من الدم والجرائم تتحرك بلا رادع، داخل دولة تعرف كل شيء… وتفعل لا شيء.
ليست هذه سيرة عادية، ولا مجرد صفحة تُطوى مع الموت. إنها مسيرة حافلة بالقتل المنهجي، والاغتيالات السياسية، والعبوات الناسفة، وترويع المخيمات الفلسطينية، والتدخل المباشر في زعزعة أمن لبنان واستقراره.
اسمٌ لم يأتِ عابرًا في سجل الأحداث، بل ارتبط بمئات الملفات الثقيلة، من التصفيات الجسدية المتكررة، إلى المجازر الدموية التي لا تزال آثارها حاضرة في ذاكرة الضحايا وذويهم.
ومن بين تلك الجرائم، وعلى سبيل المثال لا الحصر، تورطه في قتل أكثر من 200 عنصر من حركة فتح خلال تسعينيات القرن الماضي، إضافة إلى مجزرة عائلة آل رشيد في مخيم المية ومية، التي شكّلت واحدة من أبشع صور القتل المنظم داخل المخيمات واغتيال العميد فتحي زيدان “الزورو” بعبوة ناسفة، والكثير والكثير من الجرائم .
هذه الوقائع ليست روايات متداولة فحسب، بل مدعومة بمذكرات توقيف، وشهادات موثقة، وملفات قضائية، وأسماء ضحايا يعرفها القاصي والداني.
ومع كل هذا الثقل من الأدلة والاتهامات، ومع هذا التاريخ الذي يكفي لإدانة منظومة كاملة، بقي الرجل لعقود فوق القانون… محصّنًا، محميًا، وكأن العدالة في لبنان تُطبّق على البعض، وتُرفع عن آخرين.
جمال سليمان… سيرة الدم التي لا تنتهي
لم يكن مجرد عنصر عابر في مشهد الفوضى، ولا قائدًا ميدانيًا تقليديًا ضمن فصيل فلسطيني. كان مشروع سلطة قائم بحد ذاته داخل المخيمات، بنى نفوذه بالسلاح، ووسّعه بالاغتيال، وفرض حضوره بالخوف والترهيب.
لم يصعد عبر العمل السياسي أو التنظيمي، بل عبر مسار دموي واضح، بدأ بمحاولات تصفية قيادات فلسطينية، وتكرّس من خلال تورطه في معارك داخلية دامية، وصولًا إلى اتهامات متراكمة بتنفيذ تفجيرات واغتيالات داخل الأراضي اللبنانية.
هذه الوقائع لم تكن حوادث متفرقة، بل نمطًا متكررًا شكّل مع الوقت ملفًا جنائيًا بالغ الخطورة، لا يمكن القفز فوقه أو تبريره بأي خطاب.
فكل مرحلة من مسيرته كانت تحمل بصمة عنف جديدة، وكل محطة كانت تضيف اسمًا جديدًا إلى لائحة الضحايا، في سياق واضح من بناء النفوذ عبر الدم.
في المخيمات الفلسطينية، لم يكن اسمه عاديًا. كان مرادفًا دائمًا للتوتر والانفجار. حيثما اندلعت فتنة، كان حضوره يُطرح كاحتمال أول، وحيثما سقط قتيل، كانت أصابع الاتهام تتجه نحوه أو نحو دائرته. هذا الارتباط المستمر بين اسمه وأحداث العنف لم يكن وليد صدفة، بل نتيجة دور مباشر أو غير مباشر في تغذية النزاعات، وإبقاء المخيمات في حالة عدم استقرار دائم.
أما تنظيم “حركة أنصار الله الفلسطينية” الذي ترأسه، فقد جرى تسويقه إعلاميًا كفصيل فلسطيني ضمن خارطة القوى التقليدية، لكن الوقائع على الأرض تكشف صورة مختلفة تمامًا.
نحن أمام شبكة مسلحة خارجة عن القانون، تمتلك بنية أمنية وعسكرية، وتتحرك بمنطق الميليشيا، لا بمنطق التنظيم السياسي، وتُدار بعقلية السيطرة لا الشراكة، ما جعلها عامل تهديد دائم للأمن الفلسطيني واللبناني على حد سواء.
الهروب… ثم العودة… ثم الحماية
خروجه من لبنان لم يكن حدثًا عابرًا، بل جاء على وقع اشتباكات مسلحة عنيفة شهدها مخيم المية ومية في صيدا، حيث تحوّل المخيم ومحيطه إلى ساحة رعب مفتوحة، امتد تأثيرها إلى المدينة نفسها. في تلك اللحظة، لم يُعتقل، ولم يُسلَّم إلى القضاء، بل جرى إخراجه من لبنان برعاية مباشرة من حزب الله، ضمن موكب أمني – عسكري منظم، نُقل على إثره إلى سوريا في مشهد يعكس حجم الحماية التي كان يتمتع بها.
الرجل كان يتحرك من لبنان الى سوريا و العراق وايران بحرية كاملة وأحياناً بمواكب امنية مشددة عسكرياً.
حين اشتد الضغط، خرج… لكن الأخطر لم يكن خروجه، بل ما تلاه. فمع سقوط نظام بشار الأسد، عاد إلى لبنان، لا كمتوارٍ عن الأنظار، بل كشخص يتحرك بحرية لافتة، وكأن شيئًا لم يكن.
في صيدا والجنوب، لم يكن مختبئًا في الظل، بل كان يتنقل بين شقق ومنازل معروفة بالأسماء والمواقع، تحت أعين أجهزة أمنية لبنانية، وضمن واقع من التغطية السياسية والأمنية التي يصعب إنكارها. لم تُبذل جهود حقيقية لتوقيفه، ولم تُنفّذ مذكرات بحقه، بل بدا وكأن هناك قرارًا ضمنيًا بتركه يتحرك خارج إطار المحاسبة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبصوت أعلى من أي وقت مضى، كيف يمكن لشخص مطلوب للعدالة، متهم بجرائم إرهاب واغتيالات، أن يعود إلى لبنان ويتنقل بهذه السهولة؟ ومن هي الجهة التي قررت، عمليًا، أن القانون لا ينطبق عليه؟
حماية مكشوفة، حزب الله وأجهزة الدولة
الوقائع على الأرض لا توحي بتقصير عابر أو خلل إداري يمكن تبريره، بل تكشف عن منظومة حماية متكاملة سمحت لهذا الرجل بالتحرك بحرية، والتواصل مع شبكته، وإدارة نشاطاته دون أي عائق يُذكر.
نحن أمام واقع تتقاطع فيه المصالح بين قوى نافذة، حيث يبرز دور حزب الله إلى جانب بعض الأجهزة الأمنية اللبنانية “من مخابرات الجيش إلى الأمن العام وأمن الدولة” ضمن شبكة علاقات تُدار بعيدًا عن الأضواء، لكن نتائجها واضحة على الأرض: إفلات كامل وممنهج من العقاب.
هذه الحماية لم تكن نظرية، بل تُرجمت عمليًا إلى غطاء أمني مكّنه من الاستمرار في نشاطه، وكأن مذكرات التوقيف والأحكام القضائية مجرد أوراق لا قيمة لها أمام ميزان القوى.
الأبناء… امتداد الجريمة لا نهايتها
برحيله، لا يُطوى الملف، بل يزداد تعقيدًا. لأن الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن في شخص انتهت حياته، بل في الامتداد الذي تركه خلفه. أبناؤه ليسوا مجرد أسماء في الهامش، بل فاعلون أساسيون في مشهد العنف الذي تشهده المخيمات.
يتصدر المشهد حمزة جمال سليمان، الفار من العدالة، والذي تُوجَّه إليه اتهامات بقيادة ما يُعرف بـ“فرق الموت”، وتنفيذ سلسلة من عمليات الاغتيال داخل المخيمات الفلسطينية وخارجها. اسمه ارتبط بمحاولات اغتيال خطيرة، من بينها استهداف مسؤول أمني في السفارة الفلسطينية في صيدا، في عملية هزّت الأوساط الأمنية آنذاك. ومع ذلك… لا يزال يتنقل بحرية، وكأن لا شيء يلاحقه، ولا قانون ينتظره.
أما الابن الآخر، محمد، فقد تم توقيفه في قضايا تتعلق بالإرهاب، ما يؤكد أن المسألة لا تتعلق بشخص واحد، بل بـعائلة منخرطة بالكامل في بنية إجرامية منظمة.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم، هل سيستمر هؤلاء في التحرك وكأن شيئًا لم يكن، مستفيدين من ذات الغطاء الذي حمى والدهم؟
أم أن الدولة اللبنانية ستتذكر “ولو لمرة” أن هناك قانونًا يجب أن يُطبّق على الجميع دون استثناء؟
تنظيم أنصار الله، فصيل أم شبكة إجرام عابر للحدود؟
لم يعد مقبولًا، لا سياسيًا ولا أمنيًا، الاستمرار في توصيف هذا التنظيم كـ“فصيل فلسطيني” ضمن خارطة القوى التقليدية. هذا الوصف لم يعد يعكس الواقع، بل يساهم في تلميعه وتغطية طبيعته الحقيقية.
فالوقائع المتراكمة على الأرض تشير بوضوح إلى ما هو أخطر بكثير: شبكة مسلحة منظمة، تتجاوز حدود العمل الفصائلي، وتمارس أدوارًا مركّبة ذات طابع إجرامي وأمني عابر للحدود.
فهذا التنظيم ارتبط اسمه بعمليات اغتيال وتصفيات جسدية داخل لبنان، في سياق صراعات داخلية لم تكن يومًا لصالح القضية الفلسطينية، بل ساهمت في تفكيك النسيج الداخلي للمخيمات وزرع الفوضى فيها.
إلى جانب ذلك، تبرز معطيات خطيرة تتعلق بانخراطه في نشاطات مرتبطة بتجارة الكبتاغون، مع أسماء معروفة داخل بنيته، مثل ماهر عويد نائب جمال سليمان وهو احد اقربائه ، و إبراهيم الجشي، المسؤول عن العلاقات، ضمن شبكة علاقات متشابكة تتقاطع مع جهات أمنية، ما يعكس حجم التشابك بين الجريمة المنظمة وبعض مراكز النفوذ.
ولم يتوقف نشاط هذا التنظيم عند حدود لبنان، بل تعدّاه إلى ساحات إقليمية، حيث تشير الوقائع إلى إرسال مقاتلين للمشاركة في نزاعات خارجية، من سوريا إلى اليمن، وصولًا إلى أوكرانيا، في مشهد يُظهر بوضوح تحوّله إلى أداة تنفيذ ضمن صراعات لا علاقة لها لا بفلسطين ولا بحقوق الشعوب، بل تخدم أجندات إقليمية معقّدة.
هذه الارتباطات، وهذه الأدوار المتعددة، تؤكد أننا لا نتحدث عن تنظيم سياسي أو حتى عسكري تقليدي، بل عن كيان هجين يجمع بين العمل الأمني والعسكري والمالي، ويتحرك بمنطق المرتزقة، ويستثمر في الفوضى لتحقيق النفوذ.
بكلام أوضح، نحن أمام تنظيم مسلح متعدد الوظائف “أمني، عسكري، مالي” يتقاطع مع شبكات تهريب، ويُستخدم كأداة ضغط وتنفيذ، وليس مجرد إطار سياسي يمكن التعامل معه ضمن قواعد العمل الفصائلي.
الشرعية المصطنعة، تواطؤ فلسطيني صامت
الأخطر من كل ما سبق، ليس فقط وجود هذا التنظيم أو تمدده، بل استمرار بعض القيادات الفلسطينية في تعويمه ومنحه غطاءً غير مباشر. فبدل أن يُواجَه ويُعزل كخطر يهدد المخيمات وأهلها، جرى احتواؤه، والتعامل معه كأمر واقع، بل أحيانًا كشريك في التوازنات الداخلية.
هذا السلوك لم يكن حياديًا، بل شكّل تواطؤًا صامتًا ساهم في ترسيخ نفوذ هذا التنظيم. فحين تُرفع المسؤولية عن المواجهة، وتُستبدل بسياسة المسايرة، تتحول الفوضى إلى قاعدة، والسلاح إلى لغة، والخوف إلى أداة حكم داخل المخيمات.
بدل حماية الناس، تم منح الشرعية لمن يهددهم.
وبدل الدفاع عن الدم الفلسطيني، جرى التغاضي عن نزفه.
هذا “الانبطاح” لم يحمِ المخيمات كما يُروَّج، بل سلّمها فعليًا إلى شبكات السلاح، وفتح الباب أمام منطق القوة بدل القانون، وجعل من دماء الضحايا مجرد أرقام عابرة في نشرات الأخبار… تُذكر اليوم وتُنسى غدًا، دون محاسبة، ودون عدالة.
اليوم الدفن… فهل تتحرك الدولة؟
اليوم، سيُشيَّع الرجل. سيجتمع أنصاره، وتُرفع الشعارات، وتُطلق الخطابات، في مشهدٍ علني لا لبس فيه. وقد يحضر أبناؤه… المطلوبون للعدالة.
هنا، لا يعود السؤال سياسيًا أو إعلاميًا، بل يصبح اختبارًا مباشرًا لهيبة الدولة اللبنانية، هل ستتحرك الأجهزة الأمنية لتنفيذ مذكرات التوقيف بحق من سيحضرون علنًا؟
أم أننا أمام مشهد مكرر، حيث يظهر المطلوبون في وضح النهار… فيما يغيب القانون تمامًا؟
هل ستدخل القوى الأمنية إلى تلك المناطق “المعروفة، والمكشوفة” لتفرض سلطة القضاء؟
أم أن “الخطوط الحمراء” التي رُسمت منذ سنوات ستبقى أقوى من أي قرار قضائي، وأعلى من أي التزام قانوني؟
اليوم ليس مجرد يوم دفن… بل يوم امتحان للدولة، إما أن تُثبت أنها قادرة على فرض القانون على الجميع دون استثناء، أو تؤكد مرة جديدة أن العدالة في لبنان تُطبّق انتقائيًا… وتُعلّق عندما يتعلق الأمر بأصحاب النفوذ.
لبنان أمام اختبار أخير
ليست القضية شخصًا مات وانتهى. القضية اليوم هي دولة بكامل مؤسساتها تُوضع على المحك، أمام لحظة لا تقبل الالتفاف ولا التبرير.
هل لبنان دولة قانون فعلًا… أم مجرد شبكة توازنات تحكمها خطوط نفوذ لا تُكسر؟
هل العدالة فيه مبدأ يُطبّق على الجميع… أم أداة انتقائية تُستخدم على الضعفاء وتُرفع عن الأقوياء؟
هل المطلوب يُلاحق ويُعتقل… أم يُحمى ويُسهَّل له التحرك تحت عناوين مختلفة؟
هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل أصبحت واقعًا يوميًا يراه الناس بأعينهم.
فإما أن تُثبت الدولة، في هذه اللحظة المكشوفة، أنها قادرة على فرض القانون دون استثناء، أو تُثبت العكس تمامًا… أنها عاجزة، أو متواطئة.
إذا لم تتحرك الدولة اليوم لتوقيف المطلوبين، وعلى رأسهم أبناء جمال سليمان، وحظر هذا التنظيم، وفتح كل الملفات المغلقة، ومحاسبة كل من وفّر له الغطاء، فإنها لا تفشل فقط في تحقيق العدالة، بل تذهب أبعد من ذلك…
تعلن، عمليًا، أنها شريك في تعطيلها، وأن الإفلات من العقاب ليس خللًا… بل نهجًا قائمًا بحد ذاته.
مات الرجل… فهل يموت الإفلات من العقاب؟
رحل جمال سليمان، بعد تاريخٍ طويلٍ مثقلٍ بالدم والاتهامات والملفات المفتوحة.
رحل الجسد… لكن العدالة لم تصل إليه.
ورحل الاسم… لكن الخطر لم ينتهِ، بل ما زال حاضرًا في شبكته، وفي من خلّفهم وراءه، وفي منظومة سمحت له أن يعيش ويموت خارج المحاسبة.
اليوم، لم يعد السؤال عن الماضي… بل عن الحاضر وما سيأتي.
الكرة باتت بالكامل في ملعب الدولة اللبنانية، أمام لحظة لا تحتمل المواربة ولا التأجيل، إما أن تُنهي هذه الصفحة فعليًا، لا بالكلام، بل باعتقالات حقيقية، وملاحقات جدية، ومحاسبة لكل من تورط أو غطّى.
وإما أن تفتح فصلًا جديدًا، أكثر خطورة، من الإفلات من العقاب، حيث يبقى القتلة أحرارًا، تتحرك شبكاتهم كما تشاء، فيما يُترك الضحايا وعائلاتهم بلا إنصاف… وبلا صوت.
إنها لحظة فاصلة بين دولة تُثبت وجودها… ودولة تُسلّم أمرها للفوضى.
والتاريخ، حين يُكتب، لا ينسى… ولا يرحم.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير