كيف يمكن كسر “نظام #الكارثة” اللبنانيّ؟ مسوّدة جواب إلى الداخل والخارج

بقلم عقل العويط

ردًّا على سؤال كيف يمكن كسر “نظام الكارثة” اللبنانيّ، وهو عنوان مقالي في “النهار”، الجمعة 17 نيسان الجاري، أقترحُ مسوّدة الجواب هذه، في ظلّ الوقف الموقّت لإطلاق النار، وعشيّة المفاوضات المتوقَّعة، واحتمالات الحلول المصيريّة الشديدة الغموض والالتباس والخطورة.


كسرُ “نظام الكارثة” في لبنان لا يتمّ بخطابٍ أخلاقيّ فحسب، ولا بإصلاحٍ تجميليّ. فهو ليس سلطةً فقط، بل بنيةٌ معقّدة، وشعبٌ بشعوبٍ، وتعدّدُ انتماءاتٍ وولاءاتٍ، وتوازناتُ خوفٍ ومصالح وسلاح وزبائنيّة، وسياقٌ متكاملٌ من الفساد والانحطاط، وجوارٌ جيوسياسيٌّ متشابكٌ، طامعٌ وغير آمن.

أيُّ جوابٍ متماسكٍ يجب أنْ ينطلق من هنا، من داخلٍ ومن خارجٍ، معًا وفي آنٍ واحد:

  • بالدولة وحدها لا شريك لها، فلا سلاح ولا سلطة خارجها.
  • بتأمين حمايةٍ دوليّةٍ لهذه الدولة بتوافقٍ أمميّ، ضمن سياق تحييد لبنان رسميًّا عن النزاعات الإقليميّة والدوليّة، وفرض الجوار الآمن.
  • بتحقيق إصلاحاتٍ بنيويّة وجوهريّة تطاول مجمل جوانب الإدارة.

هذا ليس حلًّا جاهزًا بقدر ما هو رغبةٌ في “استيلادِ” ثلاثة شروطٍ مفقودة وتحقيقها: الدولة، والإصلاحات المنشودة، والجوار الآمن. علمًا انّ الحماية الدوليّة ليست قرارًا لبنانيًّا صرفًا، فهي تفترض توافقًا بين قوى كبرى متعارضة أصلاً في الإقليم، وقبولًا إقليميًّا، وغطاءً قانونيًّا على المستوى الأمميّ.

يصبح تحييد لبنان ممكنًا بحمايةٍ دوليّةٍ من الأمم المتّحدة ومجلس الأمن، بالتوازي مع فرض مفهوم الجوار الآمن فرضًا نهائيًّا ومطلقًا ومن كلّ جوانب الحدود، جنوبًا وشرقًا وشمالًا وغربًا، وبالتوازي أيضًا مع مسارٍ جدّيٍّ وفوريٍّ لحصر السلاح بيد الدولة، تحت إشرافٍ حياديٍّ، لا من فريق ضدّ آخر، وبخريطة طريقٍ داخليّة، قوامها الإصلاحات البنيويّة.

الحماية الدوليّة قد تُخفّف الكارثة، لكنّها لا تكسر نظامها؛ لأنّ كسره يبدأ من حيث لا تستطيع أيّ حمايةٍ أنْ تحلّ محلّه: من قيام دولةٍ عادلةٍ وقويّةٍ تحتكر قرارها وسلاحها. وجودُ سلاحٍ خارج الدولة ليس عرضًا من أعراض الكارثة، بل هو أحد أعمدته، لأنّه يلغي مبدأ المساواة بين المواطنين، ويعطّل احتكار الدولة للعنف المشروع، ويخلق أمنًا وسياسةً واقتصادًا وأخلاقًا موازية. بالتالي، أيّ حديثٍ عن “كسر نظام الكارثة” مع بقاء السلاح الفالت هو هباءٌ منثور.

إنّ لحظة وقف إطلاق النار الراهنة هي فرصةٌ خطرةٌ لا لحظة خلاص، فهي ليست حلًّا، بل تعليقٌ مؤقّت للعنف. لكنّ هذه اللحظة تحمل إمكانًا نادرًا: إمّا أنْ تتحوّل إلى إعادة إنتاج لـ”نظام الكارثة” نفسه (مثلما حصل مرارًا)، وإمّا تصير نقطة انتقالٍ جدّيّةٍ لقيام الدولة القويّة والعادلة والسيّدة والحرّة والمستقلّة.

ما الذي يحدّد الاتجاه؟ وجود مشروعٍ واضحٍ لما بعد التهدئة. ذلك أنّ كسر “نظام الكارثة” يبدأ من إعادة تأسيس الشرعيّة (السياسيّة) وإنتاج سلطةٍ تستمدّ شرعيّتها لا من الطوائف والمال والسلاح والخارج، أو الغلبة والاستقواء، بل من الدستور، ومن القدرة على الفعل، وفرض قواعد دنيا، وبخدماتٍ خارج الزبائنيّة، وبشبكات تضامنٍ غير طائفيّة. بدون ذلك، سيبقى المواطن أسير مَن يؤمّن له الحدّ الأدنى، أي نظام الكارثة نفسه. فلا بدّ والحال هذه من استعادة فكرة المواطن لا الفرد الطائفيّ، وهذا المسار هو الوحيد الذي يمنع عودة “نظام الكارثة” بأشكالٍ جديدة.

هل هذا ممكن في لبنان تحديدًا؟ نعم، لكن بشروطٍ قاسية: إذ لا يوجد “خروجٌ نقيّ” من الكارثة. بل هو خروجٌ مليءٌ بالاستحقاقات المرّة، فحواه “استيلادُ” الشروط الثلاثة المفقودة وتحقيقها: الدولة، والإصلاحات المنشودة، والجوار الآمن، مرفقًا بالتحييد والحماية الدوليّة.

هذه اللحظة نادرة، لكنّها ليست مستحيلة. وأعلاه هو مسوّدة جواب إلى الداخل والخارج معًا.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك