
كاتب وناشط سياسي
الخطوةُ الأولى نحوَ الخروجِ من الكارثةِ هي التخلِّي عن سرديةِ #الانتصار…
بقلم حسني حمادة – خاص بوابة بيروت
@Husnihamadeh82
لا خلافَ في أنَّ فكرةَ المقاومةِ هي فكرةٌ شرعيةٌ طالما يوجدُ احتلالٌ، بغضِّ النظرِ عن مسبباتِه، خاصةً في حالتِنا اللبنانيةِ المستجدةِ. ولكن يبقى طرحُ تطويرِ عملياتِ المقاومةِ وحدَها، من دونِ أيِّ خطٍّ آخرَ موازٍ لها اليومَ، لا يمكنُ أن يُختزلَ بالشعاراتِ أو بالذاكرةِ التاريخيةِ، بل يجبُ أن يُقرأَ ضمنَ سياقٍ إقليميٍّ ودوليٍّ مختلفٍ جذريًّا عمَّا كان عليه الحالُ في مرحلةِ الثمانينياتِ وصولًا إلى عامِ 2000.
ففي تلك المرحلةِ كانت قواعدُ الاشتباكِ أكثرَ وضوحًا، وكانت هناك خطوطٌ حمراءُ دوليةٌ تضبطُ إيقاعَ الصراعِ. أمَّا اليومَ، فنحنُ أمامَ إقليمٍ مفتوحٍ على احتمالاتِ الفوضى، حيثُ تراجعتِ القيودُ وسقطتِ الكثيرُ من المحرماتِ السياسيةِ والعسكريةِ، بالإضافةِ إلى فائضِ قوةٍ قوامُها الذكاءُ الاصطناعيُّ والتطورُ التكنولوجيُّ الشاسعُ.
إنَّ اتخاذَ قرارٍ بالمقاومةِ وحدَها، والتي وصفها أمينُ عامِّ “حزب الله” نفسُه بأنَّ هدفَها الإزعاجُ في أحدِ خطاباتِه، وإلغاءَ فكرةِ التفاوضِ بشكلٍ كليٍّ في هذا التوقيتِ، يعني عمليًّا الدخولَ في معادلةٍ معقدةٍ تتجاوزُ حدودَ الجغرافيا المحليةِ. فالكلفةُ ستكونُ كارثيةً، لأنَّنا في زمنِ سقوطِ المحرماتِ، ومشهدُ ما يحصلُ في الجنوبِ قد يمتدُّ إلى كلِّ مناطقِ البيئةِ، وسنكونُ أمامَ مشهدِ دمارٍ شاملٍ لبنيةِ البيئةِ على مساحةِ الوطنِ كلِّه، والكارثةُ ستكونُ أشملَ وأعمَّ.
صحيحٌ أنَّ البيئةَ الحاضنةَ للمقاومةِ تمتلكُ رصيدًا عاليًا من الكرامةِ والعنادِ، وتستندُ إلى سرديةٍ تاريخيةٍ تُغذِّي شعورَ القوةِ والصمودِ، إلا أنَّ هذا العاملَ بحدِّ ذاتِه قد يتحولُ إلى سلاحٍ ذي حدينِ إذا لم يُقارَبْ بعقلانيةٍ سياسيةٍ. فالتجاربُ السابقةُ لا يمكنُ إسقاطُها على واقعٍ متغيرٍ، والرهانُ على تكرارِها دونَ قراءةٍ دقيقةٍ للمعطياتِ الجديدةِ قد يؤدي إلى نتائجَ عكسيةٍ.
المسألةُ اليومَ ليست في مبدأِ المقاومةِ بحدِّ ذاتِه، بل في حسابِ جدواها ضمنَ ميزانِ الكلفةِ والنتيجةِ. هل القدرةُ على التحمُّلِ ما زالت كما كانت؟ وهل البيئةُ الإقليميةُ تسمحُ بتحقيقِ إنجازٍ فعليٍّ؟ أم إنَّ أيَّ تصعيدٍ سيؤدي إلى تدميرِ ما تبقَّى من مقوماتِ الصمودِ؟ هذه الأسئلةُ ليست ترفًا فكريًّا، بل شرطٌ أساسيٌّ لأيِّ قرارٍ مسؤولٍ.
لذلك فإنَّ أخطرَ ما يمكنُ أن تواجهَه المجتمعاتُ في لحظاتِ التوترِ هو اتخاذُ قراراتٍ كبرى تحت تأثيرِ العاطفةِ وحدَها، فالمقاومةُ إذا لم تُبنَ على قراءةٍ واقعيةٍ دقيقةٍ قد تتحولُ من أداةِ تحررٍ إلى عبءٍ وجوديٍّ يُفاقمُ الكارثةَ بدلَ أن يُعالجَها.
وهذا ليس من بابِ الاستسلامِ أو الانهزاميةِ، إنما من بابِ الواقعيةِ السياسيةِ، خاصةً بعد ما شاهدناه من مقاوماتٍ انتحاريةٍ في السنواتِ القريبةِ الماضيةِ، التي أدت إلى دمارِ البشرِ والحجرِ وكلِّ مقوماتِ الحياةِ.
ويبقى خيارُ التفاوضِ خيارًا يجبُ أن نجرِّبَه ونتفاعلَ معه لنرى إلى أينَ سيؤدي، خاصةً في ظلِّ الكارثةِ التي نعيشُها اليومَ، وفي ظلِّ هذا الحصارِ الإقليميِّ والعالميِّ المفروضِ علينا.
وأعيدُ وأكررُ، هذا ليس دعوةً للاستسلامِ، الذي ليس من شيمِنا، ولكن يجبُ إعطاءُ فرصةٍ لخياراتٍ أخرى مثلَ التفاوضِ، للوصولِ إلى وقفِ هذا النزيفِ الكارثيِّ الذي نعيشُه.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير