دير #سيدة_مشموشه : لبنان صغير في #لبنان الكبير

بقلم د.جوزيف الحاج – خاص بوابة بيروت

هناك، على سفحٍ، أعلاه عند النبيّ ميشا، وأخفضُه في حُضن مرج بسري، ينبت دير سيّدة مشموشة، كرَفعة الطلبة في حناجر المؤمنين.

حجرُه الأسمرُ من مقالعِ الجوار، رُصَّتْ مَداميكُهُ، كأسطر الصلاة السريانية، صلبًا كالإيمان الآتي من مارون الى يوحنا مارون، الى الأخوة العاملين في كرومٍ وشِعاب.

لامستْه الشمس بخفَر، فاسترق رقائق البرونز وتعتّق.

أوسَع طاقاتِه ليبيتَ فيها الدوري، حيث تنمو صغارُه بالنعمة والقامة… وربما الحكمة. هوذا الشاهد الدائم على النذور الأبديّة.

هناك، ربيتُ وكبرتُ واكتسبتُ… وكنتُ تلميذًا.

نعَم… في مدرسة دير سيّدة مشموشه، توالت سِتُّ سنوات من عمري القصير. كنتُ، أشدُّ عزيمتي كلّ صباح، سعيًا للعلم، غير آبهٍ بعناصر الطبيعة الهوجاء… وأهرول عائدًا الى البيت، عصر النهار، وهو المتفحّم قليلًا أوان الشتاء. نصفُ الطريق معبّد، (نتيجة انتخابات 1968)، والنصف الآخر كان ينتظر.

ولكنْ، للقادوميّة تاريخ وجغرافيا في ذاكرة الناس.

أترابٌ وأجيال، كنّا نجيء الى المدرسة من جهاتٍ أربع. ومهما بعُدَت فيَّ الأحداث، لن أنسى رَحبة تلك الملاعب ورُحبها، حيث ألتقي برفاق كثر: عليّ من النبطيّة، مصطفى من صيدا، ذبيان من الشوف، وغيرهم وغيرهم من الّذين يصلّبون.

ناظر وحيد، يضبط النظام. صفّارته تُغني عن الكلام، وإشارة من يده تفي بالأمر. وعند نهاية الفرصة يستعين بالجرس الصغير، والمكلَّف بتربيعه واحدٌ فقط. عين إلكترونية، وتنصّت مذهل ومخبرون.

في مشموشه، التعدّدية أساس.رففي الهيئة التعليميّة، كنّا نرى الجزائري الحامل الجنسيّة الفرنسية، والفرنسي ذا العِرق الغالي الأشقر، والسوريّ الحلبيّ، وابن الكورة وجبيل وصيدا. وصولاً الى بتدّين اللقش والحرف.

كذلك الرهبان كانوا يأتون من ضِياعٍ وضَياع. يوسمون حقبة مرورهم بأعمالٍ وإنجازات، وبركة. حتى قيل: “مباخر مشموشه وعتمات أقبيتها، ليست بعيدة عن السماء”. غابت الهامات الوقورة، وبقيت الأسماء تتردّد في الكروم والحفافي وأوراق الحاش السميكة.

في هذا الصرح، تعلّمنا الصلاة، واشتركنا بتأديتها، كلّنا كلّنا، كما أجراس قبّتها الخمسة، كورالٌ متناسق كأنّه آتٍ من الكسليك، ليقيم العيد.

في هذه القشلة الصغيرة، تعلّمنا الخدمة العسكرية، كمادّة أساسيّة على مدى سنتين. تأهّبتْ شخصيّتنا للصعاب، وانضبطت حركاتُنا على« حَدّ نَين» (واحد اثنان باختصار الجيش)، ونجحنا في الامتحان الأخير برتبة جندي احتياطي، للبنان.

أتقنّا مبادئ الحوار والمناقشة، سماع الرأي الآخر واستيعابَه واحترامَه.
تقاسمنا الزاد والخبز والملح، على موائد بعضها للداخليّ والآخر للخارجيّ.

أوسعنا الوقت للقراءة والمطالعة، للرياضة والنشاطات اللاّصفّية، وقبِلنا بالمنافسة الشريفة.

وفي نهاية السنين الجهاديّة كنّا نتخرّج بهويّة تخصّ مشموشه. وكما يقول إدمون رزق: “في أعماق شخصيّتي، الكثير الكثير من مشموشه”.
هذا الهناك… صار هنا.

معي، في عقلي وفي قلبي.

هناك من عمري، هنا في ذاكرتي ووجداني!

أنا أُشبه هذا الحجر، وهذا الـمَقام… واحتفظ  بعلاماته لزمنٍ يدعى العمر…

أمّا بعدَه، فسوف أصبح راقدًا في الحجر الى جواره… أتأمّل الدهور…

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك