
كاتبة وناشطة سياسية
بعد قانون تفعيل البلديات… هل تمتلك صوفر مفتاح الحل المستدام لأزمة النفايات؟
خاص بوابة بيروت
أقامت بلدية صوفر يوم الجمعة الماضي لقاءً بيئياً مميزاً استضافت خلاله الخبير البيئي المعروف زياد أبي شكر، بحضور رئيس بلدية صوفر الأستاذ وجيه شيا، وعدد من رؤساء البلديات المجاورة وأعضاء المجالس البلدية، إضافة إلى ممثلين عن الجمعيات الأهلية والهيئات البيئية والاجتماعية وأبناء المنطقة المهتمين بالشأن البيئي.
استمر اللقاء لأكثر من ساعة وشهد نقاشاً غنياً حول مستقبل إدارة النفايات في لبنان عموماً ومنطقة الجرد الأعلى خصوصاً، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه البلديات والحاجة إلى إيجاد حلول مستدامة أقل كلفة وأكثر فاعلية.
وخلال عرضه، شرح أبي شكر مفهوم “Zero Waste” (صفر نفايات)، مؤكداً أن النفايات ليست مشكلة بحد ذاتها بل موارد اقتصادية مهدورة يمكن الاستفادة منها إذا تم التعامل معها بطريقة علمية وصحيحة. كما عرض نماذج وتجارب ناجحة طبقت في لبنان، أبرزها تجربة بلدية بيت مري، والتي اعتمدت الفرز من المصدر والجمع المنظم للنفايات من المنازل، ما ساهم في خفض الكلفة وتحسين نسب التدوير والاستفادة من الموارد.
وأوضح أن ما بين 70 و80 بالمئة من النفايات المنزلية يتكون من مواد عضوية قابلة للتحويل إلى سماد عضوي عالي الجودة، فيما يمكن إعادة تدوير الورق والكرتون والبلاستيك والزجاج والمعادن وتحويلها إلى منتجات جديدة تخلق فرص عمل وتساهم في دعم الاقتصاد المحلي.
وركز اللقاء على نظام الفرز من المصدر المعتمد على كيسين، حيث توضع المواد القابلة لإعادة التدوير في الكيس الأزرق، فيما توضع المواد العضوية وبقايا الطعام والنفايات غير القابلة للتدوير في الكيس الأسود. كما شدد على أهمية جمع النفايات المفروزة من المنازل مباشرة ومن دون ضغطها داخل الشاحنات، حفاظاً على قيمتها الاقتصادية وإمكانية إعادة استخدامها أو تدويرها.
ومن أبرز النقاط التي استحوذت على اهتمام الحضور الحديث عن المرحلة المقبلة بعد انتهاء العقود الحالية الخاصة بجمع النفايات. وأشار أبي شكر إلى أن التوجه الجديد في لبنان يقوم على تعزيز دور البلديات في إدارة شؤونها المحلية والاستفادة من الإمكانات المتاحة لديها، مستنداً إلى القانون رقم 21 الصادر في تموز 2025 والرامي إلى تفعيل البلديات وتعزيز قدراتها المالية والإدارية، بما يسمح لها بلعب دور أكبر في إدارة الخدمات والمشاريع التنموية المحلية.
وفي هذا الإطار، تناول اللقاء الكلفة المرتفعة للنظام الحالي القائم على جمع النفايات بواسطة الشركات المتعهدة، حيث قد تتجاوز الكلفة التقديرية عشرة دولارات شهرياً لكل منزل عند احتساب كامل الأعباء التشغيلية. في المقابل، أوضح أبي شكر أن اعتماد الفرز من المصدر وإدارة النفايات محلياً يمكن أن يخفض الكلفة إلى ما يقارب ثلاثة دولارات فقط لكل منزل، أي أقل من ثلث الكلفة الحالية، مع تحقيق عائدات إضافية من بيع المواد القابلة للتدوير وإنتاج السماد العضوي.
كما أشار إلى أن البلديات ليست بحاجة إلى استثمارات ضخمة للبدء بهذا التحول، بل يكفي تنظيم عملية الفرز من المصدر وتأمين جمع المواد المفروزة من المنازل بواسطة شاحنات عادية أقل كلفة بكثير من الشاحنات الضاغطة المستخدمة حالياً، على أن يتم نقل المواد إلى مراكز الفرز والمعالجة المتخصصة.
ومن هنا برزت أهمية معمل فرز النفايات في مجدلبعنا، الذي يشكل فرصة استراتيجية لمنطقة الجرد الأعلى بأكملها. وقد تم التأكيد خلال اللقاء على أن المعمل قائم ويملك مقومات العمل، إلا أنه يحتاج إلى كميات كافية من المواد المفروزة ليتمكن من العمل بكامل طاقته التشغيلية. لذلك جرى طرح فكرة إنشاء شبكة تعاون بين البلديات المجاورة واتحاد البلديات، بحيث تعتمد كل بلدة الفرز من المصدر ويتم إرسال المواد المفروزة إلى المعمل، ما يسمح له بالاستمرار وتحقيق جدوى اقتصادية وبيئية مستدامة.
وأكد المشاركون أن نجاح هذا المشروع لا يقتصر على معالجة النفايات فحسب، بل يفتح الباب أمام فرص اقتصادية وتنموية جديدة من خلال تشغيل اليد العاملة المحلية، وإنشاء مشاريع مرتبطة بإعادة التدوير وإنتاج السماد العضوي، وتحويل الأموال التي كانت تدفع لمعالجة النفايات إلى استثمارات تبقى داخل المنطقة وتعود بالنفع على المجتمع المحلي.
كما عرض أبي شكر أمثلة عن الصناعات التي يمكن أن تنتج من المواد المعاد تدويرها، بدءاً من الورق والكرتون والزجاج والبلاستيك والمعادن، وصولاً إلى تصنيع منتجات جديدة ومواد بناء وتجهيزات مختلفة، ما يعزز مفهوم الاقتصاد الدائري ويحول النفايات إلى مورد اقتصادي حقيقي.
وفي ختام اللقاء، تم الاتفاق على متابعة هذا الملف من خلال لجنة البيئة في بلدية صوفر بالتنسيق مع رئيس البلدية وأعضاء المجلس البلدي واتحاد بلديات الجرد والبلديات المجاورة، بهدف وضع خطة عمل مشتركة خلال الأشهر المقبلة للاستفادة من معمل مجدلبعنا وتطوير نظام متكامل للفرز من المصدر قبل نهاية العام.
كما من المتوقع أن يقوم الخبير البيئي زياد أبي شكر بزيارة ميدانية إلى معمل مجدلبعنا في وقت قريب لاستكمال البحث في الجوانب التقنية والتشغيلية ووضع تصور عملي للمرحلة المقبلة.
ويبقى الأمل أن يشكل هذا اللقاء نقطة انطلاق حقيقية نحو نموذج جديد لإدارة النفايات في منطقة الجرد الأعلى، نموذج يقوم على الشراكة بين البلديات والمواطنين، ويحول النفايات من عبء مالي وبيئي مزمن إلى فرصة اقتصادية وتنموية مستدامة للأجيال القادمة.
فالرهان اليوم لم يعد على كيفية التخلص من النفايات، بل على كيفية الاستفادة منها وتحويلها إلى قيمة مضافة تخدم الإنسان والبيئة والاقتصاد المحلي في آن واحد.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير