
خبير متميّز في الإدارة السياسية والاستشارات
خاص بوابة بيروت
من خلال قراءاتنا اليومية على صفحات التواصل الاجتماعي، من بيانات شخصية سياسية من سياسيين حاليين أو سابقين وأفراد، من تحريض على كره طائفة معينة دون الأخرى، وعن قصد، أو تحريض لمجرد أثبات الوجود الشخصي وما أكثرهم، لم تعد أزمة لبنان أزمة حكومة، ولا أزمة انتخابات، ولا حتى أزمة طبقة سياسية فقط. ما يعيشه لبنان اليوم هو أزمة بنيوية عميقة في طبيعة النظام السياسي نفسه، وفي قدرته على الاستمرار كإطار فعّال لإدارة الدولة والمجتمع والتعدّدية الوطنية.
لقد أثبتت العقود الماضية، وبشكل متكرر، أنّ النظام اللبناني بصيغته الحالية لم يعد قادراً على إنتاج الاستقرار، ولا على حماية الدولة، ولا على إدارة التنوّع اللبناني ضمن مشروع وطني مستدام. فكل أزمة في لبنان تتحوّل إلى أزمة وجودية، وكل استحقاق دستوري يتحوّل إلى صراع طائفي، وكل خلاف سياسي يتحوّل إلى شلل مؤسساتي يهدّد الكيان بأكمله.
المشكلة الحقيقية لم تعد في الأشخاص فقط، بل في هيكلية النظام الذي بات يعيد إنتاج الأزمات بصورة دورية وكأن الانهيار أصبح جزءاً من آلية عمل الدولة نفسها. ومن هنا، فإن الحديث عن نظام سياسي جديد لم يعد ترفاً فكرياً أو طرحاً نظرياً، بل أصبح ضرورة وجودية لحماية لبنان ومنع انهياره الكامل.
بين “الفيدرالية” و”التقسيم”: أزمة فهم سياسي وفكري
واحدة من أكبر الإشكاليات في النقاش اللبناني الحالي هي الخلط المتكرر بين مفهوم الفيدرالية السياسية ومفهوم تقسيم الدولة. فبمجرد طرح أي نقاش حول اللامركزية الموسّعة أو النظام الفيدرالي، ترتفع فوراً الاتهامات بالخيانة أو الدعوة إلى التفكيك، حتى من بعض النخب السياسية والثقافية التي يُفترض أنها تمتلك فهماً أكاديمياً للنظم السياسية المقارنة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
إذ إنّ العديد من أكثر الدول استقراراً وتقدماً في العالم تعتمد أنظمة فيدرالية أو شبه فيدرالية، من دون أن يعني ذلك تفكّكها أو انهيار وحدتها الوطنية. فالولايات المتحدة، وألمانيا، وسويسرا، وكندا، والإمارات العربية المتحدة، والهند، كلها نماذج لدول نجحت في إدارة التنوّع الجغرافي أو الثقافي أو الإثني عبر أنظمة حكم لا مركزية أو فيدرالية.
الفيدرالية ليست مشروع تقسيم، بل قد تكون في بعض الحالات مشروع حماية للوحدة الوطنية عبر إعادة تنظيم العلاقة بين المركزية الحكومية والأطراف المتعددة. أما الإصرار على ربط أي إصلاح بنيوي بفكرة “التقسيم”، فهو في كثير من الأحيان انعكاس للخوف السياسي التقليدي أكثر مما هو قراءة علمية للنظم الدستورية الحديثة المتقدمة.
فشل النظام المركزي في لبنان
منذ الاستقلال، ثم بعد اتفاق الطائف الذي عجز عن إدارة البلد، بُني النظام اللبناني على مزيج معقّد من المركزية الإدارية والمحاصصة الطائفية والتوازنات السياسية الهشة. لكن التجربة أثبتت أن هذا النموذج لم ينتج دولة فعلية، بل أنتج شللاً مؤسساتياً دائماً، وتضارباً في الصلاحيات، وانهياراً في الإدارة العامة، وفساداً بنيوياً، وضعفاً في المحاسبة، وعجزاً مزمناً عن اتخاذ القرار الوطني.
فالدولة المركزية في لبنان لم تتحوّل إلى دولة قوية، بل إلى مركز متخم بالأزمات والصفقات والتجاذبات الطائفية. وفي كل مرة ينهار فيها التوافق السياسي، تتعطل الدولة بأكملها، وهذا بحد ذاته دليل على هشاشة النظام. فالدول القوية لا تنهار مؤسساتها بسبب خلاف سياسي أو طائفي. أما في لبنان، فقد أصبح الشلل السياسي جزءاً من الحياة الطبيعية للنظام.
اللامركزية والفيدرالية كإصلاح استراتيجي لا كتهديد وطني
إنّ أي نقاش جدي حول مستقبل لبنان يجب أن يبدأ من سؤال أساسي، هل ما زال النظام الحالي قابلاً للحياة؟ الوقائع السياسية والاقتصادية والإدارية تقول بوضوح: لا.
ومن هنا، يصبح التفكير بنظام سياسي جديد جزءاً من منطق الإصلاح الاستراتيجي، لا مشروعاً انقلابياً على الدولة. فاللامركزية الموسعّة أو الفيدرالية قد تشكلان فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر فاعلية واستقراراً، من خلال:
– تعزيز الإدارة المحلية.
– تخفيف الاحتقان الطائفي.
– تحسين الخدمات العامة.
– تعزيز التنمية المناطقية.
– خلق منافسة إيجابية بين الإدارات المحلية.
– توزيع الصلاحيات بطريقة أكثر توازناً.
كما أن إعادة توزيع السلطة إدارياً قد تساهم في تقليص الفساد الناتج عن احتكار القرار المركزي فإن المشكلة في لبنان ليست في وجود تنوع، بل في محاولة إدارة هذا التنوّع عبر نظام مركزي عاجز عن استيعابه.
التناقض اللبناني: رفض الفيدرالية وقبول الانقسام الواقعي
المفارقة اللبنانية الأكثر غرابة هي أن كثيرين يرفضون الفيدرالية نظرياً بحجة الحفاظ على الوحدة الوطنية، بينما يعيش لبنان عملياً منذ سنوات حالة شبه فيدرالية غير معلنة، بل أحياناً حالة تفكك وظيفي كامل. فالواقع اللبناني اليوم قائم على مناطق ذات نفوذ سياسي مختلف، وشبكات خدمات منفصلة، ومرجعيات أمنية متعددة، واقتصادات مناطقية، وولاءات سياسية تتجاوز الدولة المركزية نفسها.
أي أنّ الانقسام الواقعي موجود فعلياً، لكن من دون إطار دستوري أو تنظيمي واضح. وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية. أيهما أخطر؟ إدارة التنوّع ضمن نظام دستوري واضح ومنظّم، أم استمرار الفوضى المقنّعة تحت شعار “وحدة شكلية”؟ فإنّ أخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان اليوم ليس الاعتراف بأزماته البنيوية، بل الاستمرار في إنكارها حتى الانهيار الكامل.
نحو عقد وطني جديد
لبنان لا يحتاج فقط إلى تعديل دستوري كلما اقتضت حاجة المنتفعين، بل إلى إعادة تأسيس فلسفة الدولة نفسها. فالنظام الجديد يجب أن يقوم على المواطنة لا الزبائنية، والكفاءة لا المحاصصة، والمؤسسات لا الزعامات، والتنمية المحلية لا الاحتكار المركزي، والشراكة الوطنية الحقيقية لا التوازنات المؤقتة. كما يجب أن يترافق أي إصلاح سياسي مع إصلاح قضائي شامل، واستقلالية فعلية للمؤسسات، وتحديث الإدارة العامة، إعادة بناء الاقتصاد الإنتاجي، وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة.
إن الفيدرالية وحدها ليست حلاً سحرياً، كما أن المركزية ليست مقدّسة بحد ذاتها. فالمعيار الحقيقي لأي نظام سياسي هو قدرته على إنتاج دولة مستقرة وعادلة وقابلة للحياة.
الخوف من التغيير أم الخوف من سقوط الامتيازات؟
جزء كبير من مقاومة أي نقاش حول تطوير النظام السياسي لا يرتبط فعلياً بالخوف على وحدة لبنان، بل بالخوف على بنية المصالح التقليدية التي استفادت لعقود من النظام الحالي. فالأنظمة الطائفية غالباً ما ترفض الإصلاحات البنيوية لأنها تهدد شبكات النفوذ والزبائنية والاحتكار السياسي. لذلك، فإن أي نقاش حول اللامركزية أو الفيدرالية في لبنان يجب أن يُطرح بعيداً عن الخطابات العاطفية والتخويفية، وبمنطق علمي ودستوري واستراتيجي.
والنقاش الحقيقي ليس، هل نحب الفيدرالية أم لا؟ بل، كيف نبني دولة قابلة للاستمرار؟
لبنان يقف اليوم أمام لحظة تاريخية مفصلية. فإما أن يستمر في إدارة أزماته عبر النظام نفسه الذي أثبت فشله المتكرر، وإما أن يمتلك الشجاعة السياسية والفكرية للانتقال نحو نموذج جديد أكثر واقعية واستدامة. إنّ تطوير النظام السياسي ليس خيانة للدولة، بل قد يكون الطريق الوحيد لإنقاذها. فالدول لا تسقط عندما تعيد التفكير في أنظمتها، بل تسقط عندما ترفض الاعتراف بأن أنظمتها لم تعد صالحة للحياة.
إن الخوف من طرح نظام سياسي جديد في لبنان لا يرتبط دائماً بالحرص على وحدة الدولة أو حماية الاستقرار كما يُسوَّق في الخطاب السياسي التقليدي، بل إن جزءاً كبيراً من هذا الرفض يعكس خشية عميقة لدى بعض القوى المستفيدة من خسارة مواقعها داخل منظومة الفساد والمحاصصة التي حكمت البلاد لعقود.
فالنظام القائم، رغم فشله المتكرر في إنتاج دولة فعّالة، ما زال يشكل بالنسبة للبعض شبكة حماية سياسية واقتصادية تضمن استمرار النفوذ والمصالح والامتيازات. ولذلك، فإن أي نقاش جدّي حول تطوير النظام السياسي، سواء عبر اللامركزية الموسعة أو الفدرالية أو إعادة هيكلة الدولة أو حتى البحث في نماذج سياسية أكثر حداثة، يُقابل بحملات تخويف ممنهجة تربط الإصلاح بالتقسيم أو انهيار الكيان.
والحقيقة أن التمسّك الأعمى بنظام أثبت عجزه عن حماية الوطن والدولة والمجتمع والاقتصاد لم يعد دفاعاً عن لبنان، بل دفاعاً عن منظومة سياسية تخشى أن يؤدي أي تغيير بنيوي حقيقي إلى إخراجها من معادلة السلطة والفساد التي راكمت من خلالها نفوذها لعشرات السنوات.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى شعارات دفاعية عن الماضي، بل إلى رؤية جريئة للمستقبل. فالمستقبل لا يُبنى بالخوف من التغيير، بل بالقدرة على إدارة التغيير بحكمة ومسؤولية ورؤية وطنية شاملة.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير