لبنان أمام لحظة الحقيقة… الجنوب يدفع الثمن
بقلم رياض عيسى – خاص بوابة بيروت
عالمٌ يكاد يجمع على حق الشعوب في مقاومة الاحتلال والدفاع عن أرضها وكرامتها، يضع هذه المقاومة دائمًا في إطارٍ مشروط بحكمة القرار، وبقدرةٍ تحمي الناس قبل الأرض، وتصون الحياة قبل أن تخوض معاركها.
من هنا، لا بدّ من التوقف بإجلالٍ أمام تضحيات المقاومين والشهداء والأسرى والجرحى من كل لبنان ومشاربه ومناطقه، الذين صنعوا بدمائهم صفحةً مشرقةً في تاريخ لبنان، وتوَّجوا مسيرتهم بالتحرير عام 2000، يوم عاد الجنوب إلى أهله، وارتفعت رايات الكرامة فوق أرضه، وانسحب جيش العدو “الإسرائيلي” خلف الحدود، حيث كان يجب أن تنتهي وظيفتها.
لكن التجارب اللاحقة أثبتت أن الانخراط في حروبٍ جانبية، قد تكون خدمةً لأجنداتٍ خارجية، تحت عناوين إسنادٍ تتجاوز المصلحة الوطنية المباشرة، أعاد الجنوب إلى دائرة الخطر، وفتح أبوابًا للدمار والتهجير، وأعاد مشاهد كنّا نظن أننا طوينا صفحتها إلى غير رجعة، وأعاد الاحتلال من جديد.
اليوم، يقف لبنان أمام مرحلةٍ بالغة الدقة والخطورة. الجنوب ينزف، وأهله يدفعون الثمن من أمنهم واستقرارهم وأرزاقهم، فيما تتزايد المؤشرات على تحولاتٍ إقليميةٍ ودولية قد لا تكون في صالح لبنان، ولا في صالح أي مشروع مقاومة خارج إطار الدولة.
تجاربٌ متراكمة، منذ أواخر الستينيات، مرورًا بتداعيات اتفاقية القاهرة عام 1969 ومرحلة “فتح لاند”، أثبتت أن تعدد مراكز القرار الأمني والعسكري داخل الدولة يفتح الباب أمام الفوضى، ويجعل الوطن ساحةً لتصفية الحسابات، فيما يدفع المواطن وحده الكلفة الأكبر.
حماية لبنان، وصون الجنوب، لا يمكن أن تتحققا إلا من خلال دولةٍ قويةٍ قادرة، جامعةٍ لكل أبنائها، تحتكر قرار الحرب والسلم، وتملك وحدها حق الدفاع عن الأرض والشعب.
لقد آن الأوان لمقاربةٍ وطنيةٍ شجاعة، تضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار، وتفتح الباب أمام إعادة تنظيم الدور الدفاعي ضمن إطار الدولة، بما يحفظ كرامة التضحيات، ويمنع تكرار المآسي.
وقف الحرب الدائرة في الجنوب لم يعد خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورةٌ إنسانيةٌ ووطنيةٌ عاجلة، تفرضها معاناة الناس، وحجم الخسائر، وخطورة الانزلاق نحو ما هو أسوأ.
كما أن دعم موقف الدولة، برئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والمجلس النيابي، يجب أن يتحول إلى مظلةٍ جامعة، تُعيد الاعتبار للمؤسسات، وتؤسس لمرحلةٍ جديدة عنوانها الاستقرار، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين إلى قراهم، واستعادة الحياة التي يستحقها اللبنانيون.
لبنان لا يحتمل مزيدًا من الانقسامات، ولا مزيدًا من الحروب المفتوحة.
الجنوب، الذي كان دائمًا بوابة الصمود، يستحق اليوم أن يكون بوابة الإنقاذ.
فهل نلتقط هذه اللحظة قبل فوات الأوان؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير