
كاتب سياسي
لا جمهورية ولا فيدرالية ولا ديموقراطية… نريدها ديكتاتورية
خاص بوابة بيروت
لبنان ليس مجرد دولة تعاني من أزمة عابرة، بل هو نموذج متكرر لانهيار منظومةٍ سياسيةٍ فشلت في إنتاج الاستقرار أو العدالة أو حتى الحد الأدنى من الكفاءة. منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990، وقيام “اتفاق الطائف”، دخل لبنان في مرحلة جديدة كان يُفترض أن تؤسس لدولة حديثة، لكن ما حدث فعلياً هو إعادة تدويرٍ للنظام نفسه بصيغةٍ أكثر تعقيداً وأشد هشاشة.
لقد أثبتت التجربة خلال أكثر من ثلاثة عقود أن النظام القائم على المحاصصة الطائفية، والمغلف بشعارات الديمقراطية التوافقية، ليس سوى وصفةٍ دائمةٍ للشلل السياسي. فمنذ عام 2005، تاريخ اغتيال رفيق الحريري، دخل لبنان في دوامةٍ من الأزمات المتلاحقة، فراغات رئاسية امتدت لسنواتٍ كما بين 2014 و2016، حكومات تصريف أعمال شبه دائمة، وانقسامات سياسية عطّلت أي إصلاحٍ حقيقي.
ثم جاءت الكارثة الكبرى، الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019. انهارت العملة الوطنية، وتبخرت مدخرات اللبنانيين، وارتفعت نسبة الفقر إلى أكثر من 70٪ وفق تقارير دولية. وبعدها بعامٍ واحدٍ فقط، وقع انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020، أحد أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ، والذي لم تُحاسب أي جهةٍ مسؤولةٍ عنه حتى اليوم. أليست هذه الأدلة كافية على أن النظام الحالي عاجزٌ بنيوياً عن إدارة دولة؟
المشكلة ليست في الأشخاص فقط، بل في طبيعة النظام ذاته. الديمقراطية بصيغتها التقليدية تفترض وجود مؤسساتٍ قويةٍ، وهويةٍ وطنيةٍ جامعةٍ، وقانونٍ يُطبّق على الجميع. في لبنان، لا شيء من ذلك متوفر. القرار السياسي موزع بين زعماء طوائف، كل منهم يمثل دويلة طائفته داخل الدولة، مما يجعل أي قرارٍ إصلاحي رهينةً للتوازنات والمساومات. أما الطروحات البديلة مثل الفدرالية، فهي لا تعالج جوهر المشكلة، بل تعمّق الانقسام، وقد تفتح الباب لتفكك الدولة بالكامل. والجمهورية بشكلها الحالي أثبتت فشلها. إذًا، ما الحل؟
قد يبدو الطرح صادماً، لكنه يستند إلى قراءةٍ واقعيةٍ، لبنان بحاجة إلى سلطةٍ مركزيةٍ قويةٍ، حازمةٍ، وقادرةٍ على اتخاذ القرار دون تعطيل. نظام يقوده حاكمٌ واحدٌ، بسلطةٍ تنفيذيةٍ كاملةٍ، يضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبارٍ طائفي أو حزبي أو مناطقي أو حتى عائلي، ويملك القدرة على فرض القانون دون مساومة.
التاريخ يقدم أمثلةً عديدةً على دولٍ خرجت من الفوضى عبر أنظمةٍ صارمةٍ أعادت بناء المؤسسات وفرضت الاستقرار، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى مراحل أكثر انفتاحاً. الفكرة ليست تمجيد القمع، بل الاعتراف بأن الفوضى المستمرة أخطر بكثير من الحزم المؤقت.
لبنان اليوم ليس بحاجة إلى المزيد من الديمقراطية الشكلية التي تُستخدم كغطاء لتعطيل الدولة، بل إلى مرحلةٍ انتقاليةٍ تعيد بناء الهيكل من الأساس، قضاءٌ مستقلٌ فعلياً، جيشٌ موحدُ القرار أو إذا أمكن شرطةٌ فقط، إدارةٌ خاليةٌ من الفساد، واقتصادٌ يُدار بعقليةٍ وطنيةٍ لا زبائنية على أساس أن الوطن مؤسسةٌ ربحيةٌ تحكمها القوانين.
إن الإصرار على نفس الأدوات التي فشلت مراراً هو نوعٌ من الهروب من الحقيقة. والتغيير الجذري، مهما كان قاسياً، قد يكون الخيار الوحيد المتبقي لإنقاذ دولةٍ على حافة الانهيار الكامل.
السؤال الحقيقي ليس، هل هذا الطرح مثالي؟ بل هل هناك بديلٌ أثبت نجاحه في لبنان حتى الآن؟
والبديل هو نظامٌ ديكتاتوريٌ أحاديُ القرار.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير