
كاتب ومحلل سياسي
٧ أيار : “يوم العار” الذي اغتال الدولة وأسس لجمهورية “فائض القوة”
خاص بوابة بيروت
لم يكن السابع من أيار عام 2008 مجرد “حادثة أمنية” أو “رد فعل” على قرارات حكومية، بل كان لحظة الحقيقة المرة التي سقطت فيها آخر أقنعة “المقاومة” لتكشف عن وجهٍ ميليشياوي صرف، لا يتردد في توجيه فوهات بنادقه إلى صدور اللبنانيين دفاعاً عن دويلته ومصالحه العابرة للحدود. في ذلك اليوم، لم تُحتل شوارع بيروت والجبل فحسب، بل احتُلت إرادة الدولة، وذُبحت فكرة الشراكة الوطنية على مذبح الهيمنة الإقليمية.
“اليوم المجيد”: حين يُقدس الترهيب
بكل وقاحة سياسية، جرت محاولة غسل دماء ذلك اليوم وتعميده بـ “اليوم المجيد”. اعلن هذا اليوم بالمجيد كان على لسان راس الحرس الثوري الإيراني فرع لبنان السيد حسن نصرالله، لكن الوقائع التاريخية لا تُزوّر بالشعارات؛ فالمجد لا يتحقق باقتحام البيوت، ولا بإحراق الوسائل الإعلامية، ولا بترهيب الآمنين في زواريب العاصمة.
إن ما جرى كان انقلاباً عسكرياً مكتمل الأركان، استخدم فيه حزب الله ترسانته التي راكمها بحجة “مواجهة إسرائيل” لإخضاع الداخل اللبناني، وتحويل العاصمة بيروت إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية وتثبيت معادلة “السلاح فوق الدستور”.
منظومة “الأمر الواقع” وشبكة التخوين
لم يتحرك الحزب وحيداً، بل تحركت خلفه وجانبه منظومة متكاملة من “أدوات التبعية”؛ من حركة أمل التي لعبت دوراً ميدانياً، إلى الحلفاء الصغار الذين ارتضوا دور “الكومبارس” في عملية قمع إخوتهم في الوطن. ترافق هذا الاجتياح العسكري مع هجوم إعلامي تخويني مسعور، حيث صار الدفاع عن سيادة المطار وشبكة اتصالات الدولة “عمالة”، بينما صار استباحة دماء اللبنانيين “عملاً وطنياً”. هذه المنظومة هي نفسها التي تحمي اليوم حصون الفساد، وتمنع المحاسبة في تفجير المرفأ، وتعطل المؤسسات كلما تعارضت مع أجندتها.
سقوط الهيبة، الدولة في غرفة الانتظار
إن أخطر ما كشفه 7 أيار لم يكن قوة الميليشيا، بل هشاشة الدولة التي وقفت مؤسساتها العسكرية والأمنية في موقف “الحياد السلبي”. تحت ذريعة “منع الفتنة”، تُرك المواطن اللبناني وحيداً أمام جحافل المسلحين. هذا الشلل لم يكن صدفة، بل كان نتيجة سنوات من القضم المنهجي لهيبة الدولة، حتى وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها القرار الأمني والسياسي رهينة لمزاج “المربع الأمني”.
اتفاق الدوحة، شرعنة الغلبة
لقد أفضى ذلك العدوان إلى “اتفاق الدوحة”، الذي لم يكن في جوهره سوى “صك استسلام” فُرض بقوة السلاح. ومنذ ذلك الحين، دخل لبنان نفقاً مظلماً من التعطيل الممنهج:
- الثلث المعطل: الذي تحول إلى سيف مصلت على رقاب الحكومات.
- الفراغ الرئاسي: كأداة لفرض مرشح المنظومة.
- عزل لبنان: بوضعه في مواجهة مع محيطه العربي والمجتمع الدولي.
لا قيامة بوجود الدويلة
إن السابع من أيار 2008 سيبقى الندبة السوداء في تاريخ لبنان الحديث، والشاهد الحي على أن سلاحاً لا يأتمر بأمر الدولة هو سلاح احتلال داخلي مهما تجمّل بالشعارات. الأزمة اليوم ليست تقنية أو مالية فحسب، بل هي أزمة وجودية بين مشروعين: مشروع “الدولة السيادية” التي تبسط سلطتها من المطار إلى الحدود، ومشروع “اللا دولة” التي تتخذ من الشعب اللبناني رهينة ومن المؤسسات غطاءً لمغامراتها.
يبقى السؤال الذي يطارد ضمير كل لبناني حر : إلى متى سيبقى “حق القوة” يغلب “قوة الحق” في بلدٍ يُنحر يومياً بسلاح يدّعي حمايته؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير