
كاتب ومحلل سياسي
الصراع في #لبنان: #معركة #سيادة لا #مذاهب
بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت
@Mirazjundi
الفتنة كـ “قنبلة دخانية”: تضليل طبيعة الصراع
في كل مرة يواجه فيها مشروع السلاح أزمة سياسية أو أخلاقية، تسارع الميليشيا ومنظومتها الإعلامية إلى استحضار هواجس الحرب الأهلية والفتنة السنية – الشيعية.
غير أن هذا الاستحضار لا يعكس خطرًا وشيكًا بقدر ما يشكل أداة ترهيب سياسي تهدف إلى تشويه طبيعة الصراع الحقيقي في لبنان.
فالهدف الأساسي من هذه البروباغندا هو نقل المواجهة من إطارها الفعلي، أي الصراع بين “منطق الدولة” و”منطق الدويلة”، إلى ساحة انقسام مذهبي عبثي، بما يدفع اللبنانيين إلى القبول بمعادلة زائفة: إما الخضوع لهيمنة السلاح، وإما الانزلاق إلى الفوضى.
وهم الانقسام العمودي: اللبنانيون لا يريدون الحرب
إن الترويج لفكرة أن اللبنانيين يقفون على ضفتي صراع مذهبي دائم، هو أحد أكبر أشكال التضليل السياسي في العقود الأخيرة.
فالواقع الاجتماعي والسياسي يكشف أن غالبية اللبنانيين، بمختلف انتماءاتهم الطائفية، باتوا يدركون أن الخطر الحقيقي لا يتمثل بالطائفة الأخرى، بل بالانهيار الاقتصادي، والعزلة العربية والدولية، وتفكك مؤسسات الدولة، وضياع الهوية الوطنية الجامعة.
الصراع القائم اليوم ليس بين مسجد وكنيسة، ولا بين سني وشيعي، بل بين مشروعين متناقضين:
مشروع يريد دولة طبيعية تحتكم إلى الدستور والقانون والمؤسسات، ومشروع آخر يريد إبقاء لبنان ساحة مفتوحة للمحاور الإقليمية والسلاح الخارج عن الشرعية.
إنها، ببساطة، معركة بين “المواطنة” و”الارتهان”.
سقوط “فزاعة” الحرب الأهلية: لماذا لن تقع؟
تحاول الميليشيا إقناع اللبنانيين بأن البديل عن سلاحها هو الحرب والفوضى، بينما تشير الوقائع إلى العكس تماماً.
أولاً: غياب الإرادة المجتمعية
لا توجد أي بيئة لبنانية حاضنة لحرب أهلية جديدة، ولا أي مكوّن لبناني مستعد لخوض اقتتال داخلي خدمةً لمشاريع إقليمية.
فاللبنانيون، بعد عقود من الحروب والانهيارات، يدركون أن أي انفجار داخلي جديد سيكون انتحاراً جماعياً.
ثانياً: التمسك بالمؤسسات الشرعية
القوى السيادية والمعارضة لمشروع السلاح لا تطرح إنشاء ميليشيات مقابلة، بل تتمسك بحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني ومؤسسات الدولة الشرعية، ما يُسقط عملياً ذرائع التخويف من حرب أهلية وشيكة.
ثالثاً: وحدة المعاناة اللبنانية
لقد وحّد الانهيار الاقتصادي اللبنانيين في خندق واحد، حيث باتت الأزمات المعيشية والمالية تتجاوز الانقسامات التقليدية، الأمر الذي أضعف فعالية الخطاب المذهبي مقارنة بالمراحل السابقة.
المأزق الحقيقي: أزمة مشروع لا أزمة طائفة
المشكلة في لبنان ليست مع الطائفة الشيعية، كما يحاول البعض تصويرها أو استغلالها، بل مع مشروع عسكري – أيديولوجي عابر للحدود صادر القرار الوطني وربط لبنان بمحاور إقليمية تتجاوز مصالح اللبنانيين.
فالشيعة اللبنانيون، شأنهم شأن بقية المكونات الوطنية، جزء أصيل من النسيج اللبناني، وهم أيضاً متضررون من الانهيار والعزلة والانكشاف الأمني والسياسي.
أما جوهر المعركة اليوم، فهو استعادة القرار الوطني المستقل، وإعادة تثبيت مبدأ أن قرار السلم والحرب يجب أن يكون حصراً بيد الدولة اللبنانية، لا بيد أي تنظيم مسلح مرتبط بأجندات خارجية.
إن المطالبة بالدولة والسيادة ليست استهدافاً مذهبياً، بل ضرورة وطنية ووجودية لحماية الكيان اللبناني ومنع سقوطه النهائي.
لبنان: دولة مواطنين لا ساحة رسائل إقليمية
لقد أثبتت كل التجارب أن لبنان لا يُحكم بالغلبة، ولا يستقر بالتبعية، ولا يُبنى بمنطق المحاور.
فكل مشروع حاول تحويل لبنان إلى منصة نفوذ خارجي سقط عاجلاً أم آجلاً أمام حقيقة التنوع اللبناني ورفض اللبنانيين لأي وصاية دائمة.
من هنا، فإن الصراع السيادي الذي يخوضه اللبنانيون اليوم بالكلمة والموقف والعمل السياسي السلمي، ليس معركة طائفية، بل معركة تحرير الدولة من الارتهان واستعادة معنى الجمهورية.
أما التلويح الدائم بالحرب الأهلية، فلم يعد سوى “خشبة خلاص” أخيرة تستخدمها الميليشيا لتبرير استمرار السلاح خارج الدولة.
لأن سقوط منطق التخويف يعني سقوط المبرر السياسي والأخلاقي لبقاء لبنان رهينة مشاريع الآخرين.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير